الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - ٢- المشعر الحرام- الموقف الثاني للحجيج
تعالى. و الحاجّ في هذا الموقف يشعر حقّا بانشداد روحي و معنوي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات.
الحجيج في هذه الأرض القاحلة متجمّعو بشكل واحد و بزيّ واحد، قد هربوا من بريق الحياة و زخرفها و صخبها و ضجيجها و لا ذوا بهذه الأرض المشرّفة المفعمة بذكريات الرسالات السماوية، حيث يحمل نسيمها نداء جبرائيل و صوت الخليل و دعوة النبيّ الخاتم، و صحبه المجاهدين. و تنطق أرضها بصور الجهاد و التضحية و الانقطاع إلى اللّه على مرّ التاريخ. كأنّ هذه الأرض نافذة تشرف على عالم ما وراء الطبيعة، يرتوي فيها الإنسان من منهل العرفان، و ينساق مع تسبيح الخليقة العام، بل يعود أيضا إلى ذاته التي انفصل عنها زمنا طويلا فيعرف نفسه، و يعرف أنّه ليس بذلك الكائن اللاهث ليل نهار وراء جمع الحطام و المتاع دون أن يرويه شيء، بل إنّه جوهر آخر كان يجهله قبل الوقوف في عرفات ... نعم إنّها «عرفات» و ما أجمل هذا الاسم! و ما أعمق مدلوله!
٢- المشعر الحرام- الموقف الثاني للحجيج
و بشأن تسمية «المشعر الحرام» بهذا الاسم قيل: إنّه مركز لشعائر الحجّ، و معلم من معالم هذه العبادة العظيمة.
و من المهمّ أن نفهم أنّ «المشعر» من مادة «الشعور»، ففي تلك الليلة التاريخية المثيرة «ليلة العاشر من ذي الحجّة» حيث حجّاج بيت اللّه الحرام قد أنهوا المرحلة الاولى من هذه الدورة التربوية في عرفات و اندفعوا نحو المشعر الحرام ليقضوا ليلة يفترشون فيها الأرض و يلتحفون السماء، ضمن إطار أرض محدودة الأبعاد أشبه ما تكون- و هي تموج بآلاف الحجّاج- بأرض المحشر ...
في مثل هذه الظروف الزمانية و المكانية ... و في إطار الالتزام بالإحرام و واجباته