الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥٨ - إنفاق الكفّار
من الإخلاص و الإيمان. إنه يعالج مشاكل المجتمع كما يكون له أثر حسن و عميق في نفس الباذل المنفق، لأنه يرسخ فيها السجايا الإنسانية و يعمق مشاعر العطف و اللطف و الرفق و الحبّ بما يستشعره من آثار إيجابية لإنفاقه، و بما يسببه الإنفاق في رفع الآلام الاجتماعية، و توفير السعادة للآخرين.
أما إذا تبدلت هذه النسائم الرقيقة إلى رياح عاصفة لافحة، أو زوبعة شديدة البرودة، فسوف تؤدي إلى إحراق جميع النباتات و الأزهار أو تجميدها.
و هذا هو حال غير المؤمن في إنفاقه، فإنه لا ينفق ماله بدافع صحيح، بل ينفقه رياء و سمعة و أهواء و أهداف شريرة، و بذلك يكون كالريح العاتية، اللافحة أو الباردة، تأتي على كلّ ما أنفقه كما تأتي على الزرع، فتصيبه بالجفاف و الفناء، و الدمار و الهلاك.
إن مثل هذا الإنفاق لا يعالج أية مشكلة اجتماعية (لأنه صرف للمال في غير محله في الأغلب) كما لا ينطوي على أي أثر أخلاقي و نفسي للمنفق الباذل.
و الذي يلفت النظر أن القرآن الكريم يقول في هذه الآية حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ و هو يشير إلى أن هؤلاء المزارعين تعرضوا لما تعرضوا له لأنهم تساهلوا في إختيار مكان الزرع و زمانه، و لأنهم زرعوا في أرض معرضة للرياح الشديدة، أو أنهم اختاروا للزرع وقتا يكثر فيه هبوب رياح السموم، و بهذا ظلموا أنفسهم، و كذلك حال غير المؤمن في إنفاقه، فإنه ظلم نفسه بإنفاقه غير الصحيح و غير المناسب من حيث الزمان و المكان و الهدف، و بهذا عرض أمواله و ثرواته للرياح.
من كلّ ما أشرنا إليه، و بملاحظة القرائن الموجودة في الآية تبين أن هذا التمثيل لإنفاق الكفّار بالزرع الذي أهلكته الرياح العاصفة تمثيل به من ناحيتين:
الأولى: تشبيه لإنفاق الكافر بالزرع في غير محله و موسمه المناسب.
الثانية: تشبيه لنواياه و أهدافه من الإنفاق بالرياح العاصفة الباردة أو