الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٩ - ٢- لماذا تشابهت بعض آيات القرآن؟
مهمّ جدير بالبحث و التدقيق. و على العموم يمكن أن تكون النقاط التالية هي السرّ في وجود المتشابهات في القرآن:
أوّلا: إنّ الألفاظ و الكلمات التي يستعملها الإنسان للحوار هي لرفع حاجته اليومية في التفاهم. و لكن ما إن نخرج عن نطاق حياتنا الماديّة و حدودها، كأن نتحدّث عن الخالق الذي لا يحدّه أيّ لون من الحدود، نجد بوضوح أنّ ألفاظنا تلك لا تستوعب هذه المعاني، فنضطر إلى استخدام ألفاظ أخرى و إن تكن قاصرة لا تفي بالغرض تماما من مختلف الجهات. و هذا القصور في الألفاظ هو منشأ الكثير من متشابهات القرآن. إنّ آيات مثل يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [١] أو الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [٢] أو إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [٣] التي سوف يأتي تفسيرها في موضعه، تعتبر من هذه النماذج. و هناك أيضا تعبيرات مثل «سميع» و «بصير»، و لكن بالرجوع إلى الآيات المحكمات يمكن تفسيرها بوضوح.
ثانيا: كثير من الحقائق تختصّ بالعالم الآخر، أو بعالم ما وراء الطبيعة ممّا هو بعيد عن أفق تفكيرنا، و إنّنا- بحكم وجودنا ضمن حدود سجن الزمان و المكان، غير قادرين على إدراك كنهها العميق. قصور أفق تفكيرنا من جهة، و سمّو تلك المعاني من جهة أخرى، سبب آخر من أسباب التشابه في بعض الآيات، كالتي تتعلّق بيوم القيامة مثلا.
و هذا أشبه بالذي يريد أن يشرح لجنين في بطن أمّه مسائل هذا العالم الذي لم يره بعد، فهو إذا لم يقل شيئا يكون مقصّرا، و إذا قال كان لا بدّ له أن يتحدّث بأسلوب يتناسب مع إدراكه.
[١]- الفتح: ١٠.
[٢]- طه: ٥.
[٣]- القيامة: ٣.