الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٩ - الدعوة إلى التقوى
التّفسير
الدعوة إلى التقوى:
في الآية الأولى من هاتين الآيتين دعوة إلى التقوى لتكون التقوى مقدمة للاتحاد و التآخي.
و في الحقيقة أن الدعوة إلى الاتحاد دون أن تستعين هذه الدعوة و تنبع من الجذور الخلقية و الاعتقادية، دعوة قليلة الأثر، إن لم تكن عديمة الأثر بالمرّة، و لهذا يركز الاهتمام في هذه الآية على معالجة جذور الاختلاف، و إضعاف العوامل المسببة للتنازع في ضوء الإيمان و التقوى، و لهذا توجه القرآن بالخطاب إلى المؤمنين فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ.
يبقى أن نعرف أنه قد وقع كلام كثير بين المفسّرين حول المراد من قوله تعالى حَقَّ تُقاتِهِ و لكن ممّا لا شكّ فيه أن «حق التقوى» يعد من أسمى درجات التقوى و أفضلها لأنه يشمل اجتناب كلّ إثم و معصية، و كلّ تجاوز و عدوان، و انحراف عن الحقّ.
و لذا
نقل عن الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلّم كما في تفسير الدرّ المنثور، و عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام كما في تفسير العيّاشي و معاني الأخبار- في تفسير قوله: حَقَّ تُقاتِهِ أنهما قالا: «أن يطاع فلا يعصى، و يذكر فلا ينسى (و يشكر فلا يكفر)».
و من البديهي أن القيام بهذا الأمر كغيره من الأوامر الإلهية، يرتبط بمدى قدرة الإنسان و استطاعته و لهذا لا تنافي بين هذه الآية التي تطلب حقّ التقوى و أسمى درجاته و الآية ١٦ من سورة التغابن التي تقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فالكلام حول المنافاة بين الآيتين و ادعاء نسخ إحداهما بالأخرى ممّا لا أساس له مطلقا، و لا داعي له أبدا.