الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٨ - سبب النّزول
و قد كان ممّا وفق له الرسول و نجح فيه أكبر نجاح- بعد هجرته إلى المدينة (يثرب)- هو تمكنه من وضع حد لتلك المعارك و المناوشات و تلك المذابح و المجازر، و إقرار الإخاء مكان العداء و إحلال السلام محل الحروب، و تشكيل جبهة متحدة متراصة الصفوف، قوية البنيان و الأركان في المدينة المنورة.
و لكن حيث أن جذور النزاع كانت قوية و عديدة جدا، كان ذلك الاتحاد يتعرض أحيانا لبعض الهزات بسبب بعض الاختلافات المنسية التي كانت تطفو على السطح أحيانا فتشتعل نيران النزاع بعد غياب، و لكن سرعان ما كانت تختفي مرّة اخرى بفضل تعليمات النبي العظيم صلى اللّه عليه و آله و سلّم و حكمته، و تدبيره.
و قد لاحظنا في الآيات السابقة نموذجا من تلك الاختلافات المتجددة التي كانت تبرز على أثر التحريكات التي كان يقوم بها الأعداء الأذكياء، و لكن هذه الآيات تشير إلى نوع آخر من الاختلافات التي كان يسببها الأصدقاء الجاهلون، و العصبيات العمياء و الحمقاء.
يقال: افتخر رجلان من الأوس و الخزرج هما «ثعلبة بن غنم» و «أسعد بن زرارة» فقال ثعلبة: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و منا حنظلة غسيل الملائكة و منا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، و منا سعد بن معاذ الذي رضي اللّه بحكمه في بني قريظة، و قال أسعد منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد و منا سعد بن عبادة خطيب الأنصار و رئيسهم:
فجرى الحديث بينهما فغضبا و تفاخرا و ناديا فجاء الأوس إلى الأوسي، و الخزرج إلى الخزرجي و معهم السلاح، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فركب حمارا و أتاهم، فأنزل اللّه هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا.