الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٦ - مفرقو الصفوف و مثيرو الخلاف
الوحي على قلوبكم و تهطل عليكم أمطاره المحيية؟
إن هذه العبارة ما هي- في الحقيقة- إلّا الإشارة إلى أنه لا عجب إذا ضل الآخرون و انحرفوا، و لكن العجب ممّن لا يزمون الرسول و يرونه فيما بينهم، و لهم مع عالم الوحي اتصال دائم ... و مع آياته صحبة دائمة، إن العجب إنما هو- في الحقيقة- من هؤلاء كيف يضلون و كيف ينحرفون؟
إنه حقّا يدعو إلى الدهشة و الاستغراب و يبعث على العجب أن يضل مثل هؤلاء الذين يعيشون في بحبوحة النور، و لا شك أنهم أنفسهم يتحملون إثم هذا الضلال- إن ضلوا- لأنهم لم يضلوا إلّا عن بيّنة، و لم ينحرفوا إلّا بعد بصيرة ... و لا شكّ أن عذابهم سيكون شديدا جدّا لذلك.
ثمّ في ختام هذه الآيات يوصي القرآن الكريم المسلمين- إن أرادوا الخلاص من وساوس الأعداء، و أرادوا الاهتداء إلى الصراط المستقيم- أن يعتصموا باللّه و يلوذوا بلطفه و يتمسكوا بهداياته و آياته، و يقول لهم بصراحة تامة وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
هذا و من النقاط المهمة التي تلفت النظر في هذه الآيات هو أن الخطاب الإلهي في الآيتين الأوليين من هذه الآيات موجهة إلى اليهود بالواسطة، لأن اللّه سبحانه يأمر نبيه الكريم أن يبلغ هذه المواضيع لليهود عن لسانه فيقول تعالى له قُلْ و لكنه عند ما يوجه الخطاب إلى المسلمين في الآيتين الأخريين يخاطبهم بصورة مباشرة و دون واسطة فلا يشرع خطابه لهم بلفظه قُلْ و هذا يكشف عن منتهى عناية اللّه و لطفه بالمؤمنين، و أنهم- دون غيرهم- لائقون بأن يخاطبهم اللّه مباشرة، و أن يوجه إليهم الكلام دون أن يوسط بينه و بينهم أحدا.