الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٠ - الأموال التي يمكن إنفاقها
أن لا تمتنعوا عن إنفاق خير ما عندكم في سبيل اللّه.
وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [١].
اعتاد معظم الناس أن ينفقوا من فضول أموالهم التي لا قيمة لها أو الساقطة التي لم تعد تنفعهم في شيء. إنّ هذا النوع من الإنفاق لا هو يربّي روح المنفق، و لا هو يرتق فتقا لمحتاج، بل لعلّه إهانة له و تحقير. فجاءت هذه الآية تنهي بصراحة عن هذا و تقول للناس: كيف تنفقون مثل هذا المال الذي لا تقبلونه أنتم إذا عرض عليكم إلّا إذا اضطررتم إلى قبوله؟ أ ترون إخوانكم المسلمين، بل أ ترون اللّه الذي في سبيله تنفقون أقلّ شأنا منكم؟
الآية تشير في الواقع إلى فكرة عميقة و هي أنّ للإنفاق في سبيل اللّه طرفين، فالمحتاجون في طرف، و اللّه في طرف آخر. فإذا اختير المال المنفق من زهيد الأشياء ففي ذلك إهانة لمقام اللّه العزيز الذي لم يجده المنفق جديرا بطيّبات ما عنده كما هو إهانة للذين يحتاجونه، و هم ربما يكونون من ذوي الدرجات الإيمانية السامية، و عندئذ يسبّب لهم هذا المال الرديء الألم و العذاب النفسي.
التعبير بكلمة (الطيّبات) يشمل الطيّب الظاهري الذي يستحقّ الإنفاق و المصرف، و كذلك الطيّب المعنوي، أي الطاهر من الأموال المشتبه و الحرام لأنّ المؤمنين لا يرغبون في تناول مثل هذه الأموال.
و جملة إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ تشمل الجميع، فما ذهب إليه بعض المفسّرين من حصرها بأحد هذين المعنيين بعيد عن الصواب، و نظير هذه الآية ما جاء في سورة آل عمران الآية ٩٢ حيث يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ و طبعا هذه الآية ناظرة أكثر إلى الآثار المعنويّة للإنفاق.
[١]- «يتمم» في الأصل بمعنى القصد أي شيء و جاءت هنا بهذا المعنى و أطلقت هذه الكلمة على التيمم لأن الإنسان يقصد الاستفادة من التراب الطاهر كما يقول القرآن: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (النساء: ٤٣).