الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧٩ - الحياة الخالدة
و قد
روى ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال اطلع إليهم (أي أرواح شهداء أحد و هي في الجنة) ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي و نحن نسرح من الجنة حيث شئنا. ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أين يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتّى نقتل في سبيلك مرّة أخرى فقال تعالى: قد سبق مني أنهم لا يرجعون قالوا: فتقرئ نبينا السلام و تبلغهم ما نحن فيه من كرامة فلا يحزنوا «فنزلت هذه الآيات» [١].
و على كلّ حال فإن الذي يبدو للنظر هو أن بعض ضعاف الإيمان كانوا- في مجالسهم و ندواتهم بعد حادثة أحد- يظهرون الأسف على شهداء أحد، و كيف أنهم ماتوا و فنوا، و خاصة عند ما كانت تتجدد عليهم النعمة فيتأسفون لغياب أولئك القتلى في تلك المواقع، و كانوا يحدثون أنفسهم قائلين كيف ننعم بهذه النعم و المواهب و إخواننا و أبناءنا رهن القبور لا يصيبهم ما أصابنا من الخير، و لا يمكنهم أن يحظوا بما حظينا به من النعيم؟؟.
و قد كانت هذه الكلمات- مضافا إلى بطلانها و مخالفتها للواقع- تسبب إضعاف الروح المعنوية لدى ذوي الشهداء.
فجاءت الآيات الحاضرة لتفند كلّ هذه التصورات، و تذكر بمكانة الشهداء السامية، و مقامهم الرفيع و تقول: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً.
و الخطاب- هنا- متوجه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم خاصة حتّى يحسب الآخرون حسابهم.
ثمّ يقول سبحانه معقبا على العبارة السابقة بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
و المقصود من الحياة في الآية هي «الحياة البرزخية» في عالم ما بعد الموت، لا الحياة الجسمانية و المادية، و إن لم تختص الحياة البرزخية بالشهداء فللكثير
[١]- الدر المنثور: ج ٢ ص ٩٥- ٩٦.