الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٨ - الشفاعة ليست محسوبية
الذين يقولون إننا نعبد الأوثان لتكون شفعاءنا عند اللّه كما ورد في الآية ٣ من سورة الزمر ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [١].
و هذه الآية من نوع الاستفهام الاستنكاري، أي ما من أحد يتقدّم بشفاعة إليه بإذنه. هذه الآية تكمل في الواقع معنى قيّومية اللّه و مالكيّته المطلقة لجميع ما في عالم الوجود. أي أننا إذا رأينا أحدا يشفع عند اللّه، فليس معنى ذلك أنّه يملك شيئا و أنّ له تأثيرا مستقلّا، بل أنّ مقامه في الشفاعة هبة من اللّه. و لمّا كانت شفاعته بإذن اللّه، فإنّ هذا بذاته دليل آخر على قيّومية اللّه و مالكيّته.
بحث
الشفاعة ليست محسوبية:
«الشفاعة» [٢] هي العون الذي يقدّمه قويّ لضعيف لكي يساعده على اجتياز مراحل تكامله بسهولة و نجاح.
إلّا أنّ الكلمة تستعمل عادة في التوسّط لغفران الذنوب. غير أنّ مفهوم الشفاعة أوسع من ذلك و تشمل جميع العوامل و الدوافع و الأسباب في عالم الوجود، على سبيل المثال التربة و الماء و الهواء و أشعة الشمس هي العوامل الأربعة التي تشفع لبذرة النبات و تعينها على الوصول إلى مرحلة النضج لتصبح شجرة أو نبتة متكاملة. و لو نظرنا إلى الشفاعة في الآية الكريمة بهذا المعنى الواسع أدركنا أنّ وجود العوامل و الأسباب المختلفة لا يحدّد مالكيّة اللّه المطلقة و لا يقلّل منها، لأنّ تأثير هذه العوامل كافّة لا يكون إلّا بإذن اللّه و أمره، و هذا أيضا
[١]- وردت «ما» في جملة (ما في السموات و ما في الأرض) للموجودات غير العاقلة، و مع أن الموجودات العاقلة أيضا مملوكة للّه سبحانه جاءت «ما» للتغليب لأن الغلبة الأكثرية للموجودات غير العاقلة.
[٢]- تحدّثنا عن الشفاعة في المجلد الأول الآية (٤٨) من سورة البقرة بصورة مفصلة.