الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - الشفاعة ليست محسوبية
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ.
بعد الإشارة إلى الشفاعة في الآية السابقة، و إلى أنّ هذه الشفاعة لا تكون إلّا بإذن اللّه، تأتي هذه الجملة لبيان سبب ذلك فتقول إنّ اللّه عالم بماضي الشفعاء و مستقبلهم، و بما خفي عليهم أيضا. لذلك فهم غير قادرين على أن يبيّنوا عن المشفوع لهم أمورا جديدة تحمل اللّه على إعادة النظر في أمرهم بسببها و تغيير حكمه فيهم.
و ذلك لأنّ الشفيع- في الشفاعات العادية- يؤثّر في المتشفّع عنده بطريقين اثنين: فهو إمّا أن يعمد إلى ذكر صفات و مؤهّلات المشفوع له التي تدعو إلى إعادة النظر في أمره. أو أن يبيّن للمتشفّع عنده العلاقة التي تربط المشفوع بالشفيع ممّا يستدعي تغيير الحكم إكراما للشفيع.
بديهيّ أنّ كلا هذين الاسلوبين يعتمدان على كون الشفيع يعلم أشياء عن المشفوع له لا يعلمها المتشفّع عنده. أمّا إذا كان المتشفّع عنده محيطا إحاطة كاملة بكلّ شيء ممّا يتعلّق بكلّ شخص، فلا يكون لأحد أن يشفع لأحد عنده، و ذلك لأنّ المتشفّع عنده أعلم بمن يستحقّ الشفاعة فيجيز للشفيع أن يشفع له.
كلّ ذلك في صورة أن يكون ضمير ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ يعود على الشفعاء أو المشفوع لهم، و لكن يحتمل أيضا أن يعود الضمير لجميع الموجودات العاقلة في السّموات و الأرض الواردة في جملة لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ و تعتبر تأكيدا لقدرة اللّه الكاملة على جميع المخلوقات و عجز الكائنات أيضا و حاجتها إليه، لأنّ من ليس له علم بماضيه و مستقبله و غير مطّلع على غيب السّموات و الأرض فإنّ قدرته محدوده جدّا، بخلاف من هو عالم و مطّلع على جميع الأشياء، و في جميع الأزمنة و الأعصار، في الماضي و الحاضر فإنّ قدرته غير محدودة، و لهذا السبب فكلّ عمل حتّى الشفاعة يحتاج إلى إذنه.