الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧ - السّلام العالمي في ظلّ الإسلام
مستحيلا، بل يمكن القول أنّ دعوة الآية العامّة لجميع المؤمنين بدون استثناء من حيث اللّغة و العنصر و الثروة و الإقليم و الطبقة الاجتماعيّة إلى الصّلح و السّلام يستفاد منها أنّ تشكيل الحكومة العالميّة الواحدة في ظل الإيمان باللّه تعالى و العيش في مجتمع يسوده الصّلح ممكن في إطار الدولة العالميّة.
واضح أنّ الاطر الماديّة الأرضيّة (من اللّغة و العنصر و ...) هي عوامل تفرقة بين أفراد البشر و بحاجة إلى حلقة اتّصال محكمة تربط بين قلوب النّاس، و هذه الحلقة ليست سوى الإيمان باللّه تعالى الّذي يتجاوز كلّ الاختلافات، الإيمان باللّه و اتّباع أمره هو النقطة و المحور لوحدة المجتمع الإنساني و رمز ارتباط الأقوام و الشّعوب، و يمكن رؤية ذلك من خلال مناسك الحجّ الّذي يعتبر نموذجا بارزا إلى اتّحاد الأقوام البشريّة بمختلف ألوانها و قوميّتها و لغاتها و أقاليمها الجغرافيّة و أمثال ذلك حيث يشتركون في المراسم العبادية الروحانيّة في منتهى الصّلح و الصّفاء، و بمقايسة سريعة بين هذه المفاهيم و الأنظمة الحاكمة على الدول الفاقدة للإيمان باللّه تعالى و كيف أنّ الناس يفتقدون فيها إلى الأمان النفسي و المالي و يخافون على اعراضهم و نواميسهم يتّضح لنا التفاوت بين المجتمعات المؤمنة و غير المؤمنة من حيث الصّلح و الأمان و السّلام و الطمأنينة.
و يحتمل أيضا في تفسير الآية أنّ بعض أهل الكتاب (اليهود و النصارى) عند ما يعتنقون الإسلام يبقون أوفياء لبعض عقائدهم و تقاليدهم السابقة، و لهذا تأمر الآية الشريفة أن يعتنقوا الإسلام بكافّة وجودهم و يخضعوا و يسلّموا لجميع أحكامه و تشريعاته [١]. ثمّ تضيف الآية وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ و قد مرّ بنا في تفسير الآية (١٦٨) من هذه السورة الإشارة إلى أنّ كثير من الانحرافات و وساوس الشيطان تحدث بصورة تدريجيّة على شكل مراحل حيث
[١]- تفسير الكبير، المجلد الخامس، ص ٢٠٧- روح المعاني، ج ٢، ص ٩٧، و لكن نظر أن «كافة» تشمل جميع المؤمنين و ليس كافة تشريعات الإسلام (في الحقيقة حال ل «الذين آمنوا» لا السلم) و التفسير الأوّل أصح في النظر.