الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣٥ - الهزيمة بعد الإنتصار
ففي الوقت الذي كان البعض (و هم الأغلب كما قلنا) يفكرون في الغنائم و قد سال لعابهم لها حتّى أنهم تركوا موقعهم الخطير في الجبل، بينما بقيت جماعة أخرى قليلة مثل «عبد اللّه بن جبير» و بعض الرماة ثابتين في مكانهم يذبون عنه الأعداء و يطلبون الآخرة و الثواب الإلهي العظيم.
و هنا تغير مجرى الأمور، و انعكست القضية فبدل اللّه الإنتصار إلى الهزيمة ليمتحنكم و ينبّهكم، و يربّيكم: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ.
ثمّ إن سبحانه غفر لكم كلّ ما صدر و بدر عنكم من عصيان و تجاهل لأوامر الرسول و ما ترتب على ذلك من التبعات في حين كنتم تستحقون العقاب، و ما ذلك إلّا لأن اللّه لا يضن بنعمة على المؤمنين، و لا يبخل عليهم بموهبة وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
أجل، إنه تعالى يحب المؤمنين، و لا يتركهم و شأنهم و لا يكلهم إلى أنفسهم إلّا في بعض الأحيان ليتنبهوا، و يثوبوا إلى رشدهم فيزدادوا التصاقا بالشريعة، و اهتماما بالمسؤوليات، و يقظة و إحساسا.
ثمّ إنه سبحانه يذكر المسلمين بموقفهم في نهاية معركة «أحد» فيقول: إِذْ تُصْعِدُونَ [١] وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ [٢] أي تذكروا إذ فررتم من المعركة، و رحتم تلوذون بالجبل أو تنتشرون في السهل، تاركين رسول اللّه وحده بين المهاجمين المباغتين من المشركين و هو يدعوكم من ورائكم و يناديكم قائلا: «إليّ عباد اللّه- إليّ عباد اللّه فإني رسول اللّه» و أنتم لا تلتفتون إلى الوراء أبدا، و لا تلبون نداء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم.
[١]- «تصعدون» من الإصعاد و هو- كما في المفردات للراغب- الأبعاد و المشي في الأرض سواء كان ذلك في صعود أو حدور في حين أن الصعود يعني الذهاب في المكان العالي، و لعلّ استعمال الإصعاد في الآية بدل الصعود لأن جماعة من الفارين صعدوا الجبل، و جماعة آخرين انتشروا في الصحراء.
[٢]- «أخراكم» بمعنى «ورائكم».