الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٠ - مصير المفسدين في الأرض
التولّي من الولاية بمعنى الحكومة، فيكون معنى الولاية حينئذ أنّ المنافقين إذا حكموا في الأرض أهلكوا الحرث و النسل و أشاعوا الظلم بين عباد اللّه، و بسبب ظلمهم و جورهم تهلك الماشية و تتعرّض أموال و نفوس الناس للخطر [١].
(حرث) بمعنى الزّراعة، (نسل) بمعنى الأولاد، و تطلق أيضا على أولاد الإنسان و غير الإنسان، فعلى هذا يكون إهلاك الحرث و النسل بمعنى إتلاف كلّ الموجودات الحيّة أعمّ من الأحياء النباتيّة و الحيوانيّة و الإنسانيّة.
و ذكر لمعنى الحرث و النسل تفاسير اخرى منها: أنّ المراد بالحرث هو النساء بقرينة الآية الشريفة نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [٢] و المراد بالنسل هم الأولاد، أو يكون المراد من الحرث هنا الدين و العقيدة و النسل الناس (و هذا التفسير هو الوارد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السّلام المذكور في مجمع البيان).
و على كلّ حال فإنّ التعبير يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ كلام مختصر و جامع لكلّ المصاديق حيث يشمل الإفساد و التخريب بالنسبة للأموال و النفوس في المجتمع البشري.
و الآية الاخرى تضيف وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [٣] فتشتعل في قلبه نيران التعصّب و اللّجاج و تجرّه إلى المعصية و الإثم.
فمثل هذا الشخص لا يستمع إلى نصيحة النّاصحين و لا يهتم للإنذارات الإلهيّة، بل يستمر على عناده و ارتكابه للآثام و المنكرات مغرورا، فلا يكون جزاءه إلّا النار، و لذلك يقول في نهاية الآية فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ.
[١]- تفسير الميزان، ج ٢، ص ٩٦- و كذلك أشير إلى هذا البحث في ذيل هذه الآية في تفسير مجمع البيان و أبو الفتوح الرازي، و لكن هذا الرأي لا يناسب سبب النّزول، و إن كان مفهوم الآية واسعا.
[٢]- البقرة، ٢٣٣.
[٣]- العزة في مقابل الذلّة في الأصل. و لكن هنا ورد بمعنى الغرور و النخوة، (روح المعاني) و الراغب يرى أنها بمعنى عدم المغلوبية في الأصل، و مجازا تأتي بمعنى الغرور.