الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩٩ - سيماء المتقين
لا يقلع ذلك جذور العداء من قلب المرء، فلا بدّ للتخلص من هذه الجذور و الرواسب أن يقرن «كظم الغيظ» بخطوة أخرى و هي «العفو و الصفح» و لهذا أردفت صفة «الكظم للغيظ» التي هي بدورها من أنبل الصفات بمسألة العفو.
ثمّ إنّ المراد هو العفو و الصفح عن من يستحقون العفو، لا الأعداء المجرمون الذين يحملهم العفو و الصفح على مزيد من الإجرام، و ينتهي بهم إلى الجرأة أكثر.
٤- أنهم محسنون: وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
و هنا إشارة إلى مرحلة أعلى من «العفو و الصفح» و بهذا يرتقي المتقون من درجة إلى أعلى في سلّم التكامل المعنوي.
و هذه السلسلة التكاملية هي أن لا يكتفي الإنسان تجاه الإساءة إليه بكظم الغيظ بل يعفو و يصفح عن المسيء ليغسل بذلك آثار العداء عن قلبه، بل يعمد إلى القضاء على جذور العداء في فؤاد خصمه المسيء إليه أيضا، و ذلك بالإحسان إليه، و بذلك يكسب وده و حبه، و يمنع من تكرار الإساءة إليه في مستقبل الزمان.
و خلاصة القول أن القرآن يأمر المسلم بأن يكظم غيظه أولا ثمّ يطهر قلبه بالعفو عنه، ثمّ يطهر فؤاد خصمه من كلّ رواسب الضغينة و بقايا العداء بالإحسان إليه.
إنه تدرج عظيم من صفة إنسانية خيّرة إلى صفة إنسانية أعلى هي قمة الخلق و ذروة الكمال المعنوي.
و لقد روي في المصادر الشيعية و السنية في ذيل هذه الآية أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إن اللّه تعالى يقول: وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: «قد عفوت و قد عفى اللّه