الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩٧ - سيماء المتقين
في جميع الظروف و الأحوال.
و لا شكّ أن الإنفاق في حال الرخاء فقط لا يدلّ على التغلغل الكامل للصفات الإنسانية في أعماق الروح و إنما يدلّ على ذلك إذا أقدم الإنسان على الإنفاق و البذل في مختلف الظروف و في جميع الأحوال، فإن ذلك ممّا يدلّ على تجذر تلك الصفة في النفوس.
يمكن أن يقال: و كيف يمكن للإنسان أن ينفق عند ما يكون فقيرا؟
و الجواب واضح تمام الوضوح:
أولا: لأن الفقراء يمكنهم إنفاق ما يستطيعون عليه، فليس للإنفاق حدّ معين لا في القلة و لا في الكثرة.
و ثانيا: لأن الإنفاق لا ينحصر في بذل المال و الثروة فحسب، إذ للإنسان أن ينفق من كلّ ما وهبه اللّه، ثروة كان أو علما أو جاها أو غير ذلك من المواهب الإلهية الاخرى.
و بهذا يريد اللّه سبحانه أن يركز روح التضحية و العطاء، و البذل و السخاء حتّى في نفوس الفقراء و المقلين حتّى يبقوا- بذلك- في منأى عن الرذائل الأخلاقية التي تنشأ من «البخل».
إن الذين يستصغرون الإنفاقات القليلة في سبيل اللّه و يحتقرونها إنما يذهبون هذا المذهب، لأنهم حسبوا لكلّ واحد منها حسابا مستقلا و خاصا، و لو أنهم ضموا هذه الإنفاقات الجزئية بعضها إلى بعض، و درسوها مجتمعة لتغيرت نظرتهم هذه.
فلو أن كلّ واحد من أهل قطر من الأقطار- فقراء و أغنياء- قدم مبلغا صغيرا لمساعدة الآخرين من عباد اللّه، و لتقدم الأهداف و المشاريع الاجتماعية، لاستطاعوا أن يقوموا بأعمال ضخمة و كبيرة، مضافا إلى ما يجنونه من هذا العمل من آثار معنوية لا ترتبط بحجم الإنفاق، و تعود إلى المنفق في كلّ حال.