الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - التّفسير
و يرد هنا سؤال، و هو أنّ هذه الآية هل تشير إلى مسألة تنازع البقاء التي تعتبر أحد الأركان الأربعة لفرضية دارون في مسألة تكامل الأنواع؟ تقول الفرضيّة أنّ الحرب و النّزاع ضروريّ بين البشر، و إلّا فالسّكون و الفساد سيعم الجميع، فتعود الأجيال البشريّة إلى حالتها الأولى، فالتّنازع و الصّراع الدائمي يؤدّي إلى بقاء الأقوى و زوال الضعفاء و انقراضهم، و هكذا يتمّ البقاء للأصلح بزعمهم.
الجواب:
إنّ هذا التفسير يصح فيما إذا قطعنا صله هذه الآية لما قبلها تماما، و كذلك الآية المشابهة لها في سورة الحجّ و لكنّنا إذا أخذنا بنظر الإعتبار هذه الآيات رأيناها تدور حوّل محاربة الظّالمين و الطّغاة، فلو لا منع اللّه تبارك و تعالى لملؤوا الأرض ظلما و جورا، فعلى هذا لا تكون الحرب أصلا كليّا مقدّسا في حياة البشريّة.
ثمّ أنّ ما يقال عن قانون (تنازع البقاء) المبني على المبادئ الأربعة لنظريّة دارون في (تطوّر الأنواع) ليست قانونا علميّا مسلّما، به بل هو فرضيّة أبطلها العلماء، و حتّى الّذين كانوا يؤيّدون نظريّة تكامل الأنواع لم يعدّ أيّا منهم يعوّل عليها و يعتبرون تطوّر الأحياء نتيجة الطفرة [١].
و إذا ما تجاوزنا عن كلّ ذلك و اعتبرنا فرضيّة تنازع البقاء مبدء علميّا فإنّه يمكن أن يكون كذلك فيما يتعلّق بالحيوان دون الإنسان، لأنّ حياة الإنسان لا يمكن أن تتطوّر وفق هذا المبدأ أبدا، لأنّ تكامل الإنسان يتحقّق في ضوء التّعاون على البقاء لا تنازع البقاء.
و يبدو أنّ تعميم فرضيّة تنازع البقاء على عالم الإنسان انّما هو ضرب من الفكر الاستعماري الّذي يؤكّده بعض علماء الاجتماع في الدول الرأسمالية لتسويغ حروب حكوماتهم الدمويّة البغيضة و إطفاء الطّابع العلمي على سلوكياتهم
[١]- لمزيد من الاطلاع راجع الكتاب «الفرضية الأخيرة في التكامل».