الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - التّفسير
و مجيء (صبر) بصيغة النكرة يؤكّد هذا المعنى بشكل أكبر.
الاعتماد على ربوبيّة الخالق جلّ و علا بقولهم (ربّنا) و كذلك عبارة (إفراغ) مضافا إلى كلمة (على) التي تبيّن أنّ النزول من الأعلى، و كذلك عبارة (صبرا) في صيغة النكرة كلّ هذه المفردات تدلّ على نكات عميقة لمفهوم هذا الدعاء و أنّه دعاء عميق المغزى و بعيد الأفق.
الثاني: أنّهم طلبوا من اللّه تعالى أن يثبّت أقدامهم وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا حتّى لا يرجّح الفرار على القرار، و الواقع أنّ الدعاء الأوّل اتّخذ سمة الطلب النفسي و الباطني، و هذا الدعاء له جنبة ظاهريّة و خارجيّة، و من المسلّم أنّ ثبّات القدم هو من نتائج روح الاستقامة و الصبر.
الثالث: من الأمور التي طلبها جيش طالوت هو وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ و هو في الواقع الهدف الأصلي من الجهاد و ينفّذ النتيجة النهائيّة للصبر و الاستقامة و ثبات الأقدام.
و من المسلّم أنّ اللّه تعالى سوف لا يترك عبادة هؤلاء لوحدهم أمام الأعداء مع قلّة عددهم و كثرة جيش العدو، و لذلك تقول الآية التالية: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.
و كان داوود في ذلك الوقت شابّا صغير السن و شجاعا في جيش طالوت. و لا تبيّن الآية كيفيّة قتل ذلك الملك الجبّار بيد داود الشاب اليافع، و لكن كما تقدّم في شرح هذه القصّة أنّ داود كان ماهرا في قذف الحجارة بالقلّاب حيث وضع في قلّابه حجرا أو اثنين و رماه بقوّة و بمهارة نحو جالوت، فأصاب الحجر جبهته بشدّة فصرعه في الوقت، فتسرب الخوف إلى جميع أفراد جيشه، فانهزموا بسرعة أمام جيش طالوت، و كأنّ اللّه تعالى أراد أن يظهر قدرته في هذا المورد و أنّ الملك العظيم و الجيش الجرّار لا يستطيع الوقوف أمام شاب مراهق مسلّح بسلاح ابتدائي لا قيمة له.