الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥ - التّفسير
و طالوت الذي كان يتّجه بجنوده للجهاد، كان لا بدّ له أن يعلم إلى أيّ مدى يمكن الاعتماد على طاعة هؤلاء الجنود، و على الأخصّ أولئك الذين ارتضوه و استسلموا له على مضض متردّدين، و لكنّهم في الباطن كانت تراودهم الشكوك بالنّسبة لإمرته، لذلك يؤمر طالوت أمرا إلهيّا باختبارهم، فيخبرهم أنّهم سوف يصلون عمّا قريب إلى نهر، فعليهم أن يقاوموا عطشهم، و ألّا يشربوا إلّا قليلا، و بذلك يستطيع أن يعرف إن كان هؤلاء الذين يريدون أن يواجهوا سيوف الأعداء البتّارة يتحمّلون سويعات من العطش أم لا.
و شرب الأكثرية كما قلنا في سرد الحكاية، و كما جاء بايجاز في الآية.
و هكذا جرت التصفية الثانية في جيش طالوت. و كانت التصفية الأولى عند ما نادى المنادي للاستعداد للحرب و طلب الجميع بالاشتراك في الجهاد إلّا الذين كانت لهم التزامات تجارية أو عمرانية أو نظائرها.
فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ.
تفيد هذه الآية أنّ تلك القلّة التي نجحت في الامتحان هي وحدها التي تحرّكت معه، و لكن عند ما خطر لهؤلاء القلّة أنهم مقدمون على مواجهة جيش جرّار و قوي، ارتفعت أصواتهم بالتباكي على قلّة عددهم، و هكذا بدأت المرحلة الثالثة في التصفية.
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [١].
«الفئة» أصلا من «الفيء» بمعنى الرجوع، و يقصد بها الجماعة الملتحمة التي يرجع بعضهم إلى بعض ليعضده. تقول الآية: إنّ الذين كانوا يؤمنون بيوم القيامة
[١]- «فئة» من «فيء» في الأصل بمعنى الرجوع و بما أن كلّ جماعة تتعاضد فيما بينها و تعود أحدها على الاخرى بالعون و المساعدة أطلقت كلمة «فئة».