الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - التّفسير
تضيف الآية: وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ الضّمير في هاتين الجملتين يعود على داود الفاتح في هذه الحرب، و على الرّغم من أنّ الآية لا تقول أنّ داود هذا هو داود النبي والد سليمان عليهما السّلام و لكنّ جملة وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ تدلّ على أنّه وصل إلى مقام النبوّة، لأنّ هذا ممّا يوصف به الأنبياء عادة، ففي الآية ٢٠ من سورة ص نقرأ عن داود وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ كما أنّ الأحاديث الواردة في ذيل هذه الآية تشير إلى أنّه كان داود النبي نفسه.
و هذه العبارة يمكن أن تكون إشارة إلى العلم الإداري و تدبير البلاد و صنع الدّروع و وسائل الحرب و أمثال ذلك حيث كان داود عليه السّلام يحتاج إليها في حكومته العظيمة، لأنّ اللّه تعالى لا يعطي منصبا و مقاما لأحد العباد إلّا و يؤتيه أيضا الاستعداد الكامل و القابليّة اللّازمة لذلك.
و في ختام الآية إشارة إلى قانون كلّي فتقول: وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ.
فاللّه سبحانه و تعالى رحيم بالعباد و لذلك يمنع من تشرّي الفساد و سرايته إلى المجتمع البشري قاطبة.
و صحيح أنّ سنّة اللّه تعالى في هذه الدنيا تقوم على أصل الحريّة و الإرادة و الإختيار و أنّ الإنسان حرّ في اختيار طريق الخير أو الشر، و لكن عند ما يتعرّض العالم إلى الفساد و الاندثار بسبب طغيان الطواغيت، فإنّ اللّه تعالى يبعث من عباده المخلصين من يقف أمام هذا الطغيان و يكسر شوكتهم، و هذه من ألطاف اللّه تعالى على عباده. و شبيه هذا المعنى ورد في آية ٤٠ من سورة الحج وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ ....
و هذه الآيات في الحقيقة بشارة للمؤمنين الّذين يقفون في مواقع إماميّة من مواجهة الطّواغيت و الجبابرة فينتظرون نصرة اللّه لهم.