الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٤ - التّفسير
مدينة اشموئيل. و عند ما رأى بنو إسرائيل الصندوق بينهم، اعتبروه إشارة من اللّه على اختيار طالوت ملكا عليهم.
و عليه نسب حمل الصندوق إلى الملائكة، لأنّهم هم الذين ساقوا البقرتين إلى بني إسرائيل.
في الحقيقة أنّ للملائكة معنى واسعا في القرآن و الروايات، يشمل فضلا عن الكائنات الروحية العاقلة، مجموعة من القوى الغامضة الموجودة في هذا العالم.
و يستفاد ممّا تقدّم أنّه بالرّغم من ثبوت مسألة القيادة الإلهيّة لطالوت بالأدلّة و المعاجز الإلهيّة، فهناك بعض الأفراد لضعف إيمانهم لم يسلّموا إلى هذا الحقّ، و قد ظهرت هذه الحقيقة على أعمالهم العباديّة و من ذلك تشير الجملة الأخيرة في هذه الآية إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ثمّ أنّ بني إسرائيل رضخوا لقيادة طالوت فصنع منهم جيوشا كثيرة و ساروا إلى القتال، و هنا تعرّض بني إسرائيل لاختبار عجيب، و من الأفضل أن نجمع تلك الأحداث و مجريات الأمور من القرآن نفسه حيث يقول: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [١].
و يتّضح في هذه الموارد الامتحان الكبير الذي تعرّض له بنو إسرائيل و هو المقاومة الشديدة للعطش، و كان هذا الامتحان ضروريّا لجيش طالوت و خاصّة مع السّوابق السيّئة لهذا الجيش في بعض الحروب السابقة، لأنّ الانتصار يتوقّف على مقدار الانضباط و قدرة الإيمان و الاستقامة في مقابل الأعداء و الطّاعة لأوامر القيادة.
[١]- جنود جمع جند في الأصل بمعنى الأرض الكثيرة الأحجار و المتراكمة الصخور ثمّ أطلقت على كلّ شيء متراكم و عادة تأتي بمعنى الجيش الكبير، و عبارة «لم يطعمه» جاءت بدل كلمة لم يشربه و هي إشارة إلى أن الجنود لا ينبغي لهم أن يشربوا منه بمقدار كف واحدة بل لا يذوقونه أيضا.