محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٧ - الخطبة الأولى
النّاس نفسان؛ نفسٌ عليا، ونفس دنيّة، والأمور أمران؛ أمرٌ عالٍ وأمرٌ دانٍ. من الممارسة ما هو دنيّة، ومن الممارسة ما هو أمرٌ كريمٌ رفيعٌ.
هناك هدفٌ قصيرٌ وهدف بعيد، هناك هدف سماء، وهناك هدف أرض.
" (قيل للإمام الحسن بن علي عليهما السّلام: ما الدنيّة ١؟) قال: النظر في اليسير ومنع الحقير" ٢.
بعد أن تكون المعاصي كلّها دنايا، وكلّها حقارات، وكلها سقوط وتسافل يأتي مما هو غير محرّم أمرٌ يسير حقير، وأمرٌ عالٍ ورفيع. المباحات ليست على المستوى الواحد، وما تتخذه النفس في هذه الحياة ليس بقامة واحدة، قد يكون الأمر مباحاً، لكنّه من الشيء اليسير القريب الذي لا يمثّل ارتباط النفس به شيئاً من الطموح الكبير، ولا علوّ الهمّة، ولا يكشف عن رفعة نفس، ولا سموّ هدف. حين يتركّز النّظر على هذا الأمر اليسير فليكن بيتاً من طرازٍ معيّن حيث يتركّز النظر على هذا الأمر للشيء القريب الذي لا يستحق عمر الإنسان، ولا يوازي ما وهبه الله سبحانه وتعالى من فكر عملاق، ومن مشاعر عالية، ومن روح كريمة شفّافة، ومن مستوى يستطيع أن يسابق به ملائكة الله، بيت ويوقف عليه العمر، ويُعطى العقل، وتُباع من أجله النّفس، وتندكّ على أعتابه المواهب!! أمر يسير، صغير، حقير. حقل، قصر، منصب دنيويّ، أن يكون ملكاً!! أن يكون رئيس جمهورية!! كل ذلك هو دون العمر، هو دون إنسانية الإنسان، هو دون ما أُهّل له، هو دون ما وعده الله تبارك وتعالى من جنّات عرضها عرض السماوات والأرض، هو دون حورية عين واحدة، هو دون الرّوح الملآ بنفخة روح من روح الله.