محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٩ - الخطبة الأولى
فهو خوف مقام الله سبحانه وتعالى، الخوف من رقابة الله الحية الدائمة وعلمه الذي لا تخفى عليه خافية، الخوف بمعنى المهابة من عظمة الله والإشفاق من مفارقة ذكره، من خسارة الارتباط به، من فقد الطمأنينة واللذة الروحية لتعطّل ذكر القلب له، وأضرب هنا مثالًا: تلتقي بعظيم من عظماء الناس لتوّك، يتجلى لك منه جمال وتقوم في نفسك من شخصيته هيبة لما له من سمو روح، ومن شفافية قلب، ومن طهر نفس، شخصيته نفاذةً لئلألاة. وبما لها من لألاء وبما لها من جمال، لا تتوقع من هذا الإنسان أن يعذبك أو أن يؤذيك حين تخالفه ولكنك تشفق على نفسك أن يطردك من حضرته، ذلك بأن تخسر المعاني الكبيرة التي قامت في نفسك والجمال الروحي الذي نلته من لقائك به، وإنك لترى في الاستمرار على التلقي منه غذاءً روحياً لا تستغني عنه، هنا تخاف أن تحدث معه ما يستوجب نفرته منك، في حين لا تتوقع منه جزاءً مادياً من نوع الإنعام أو من نوع العذاب.
ومقام الله سبحانه وتعالى مقام الجمال المطلق، والجلال المطلق .. مقام الكمال المطلق، والنفوس الحية الشاعرة تشفق على أن تفارق ذكر الله لحظة، وشعورها في لحظة بعدم الرضا الإلهي يمثّل في وجودها أكبر عذاب.
وغفر الله لي ولكم ولوالدينا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
اللهم اجعلنا نخشاك ولا نخشى أحداً سواك، وأسعدنا بتقواك، ولا تشقنا بمعصيتك، وآمن روعتنا يوم منقلبنا إليك، ونجنا من فزع الدنيا والآخرة وكربهما وسوئها يا أرحم الرحمين، ويا أكرم الأكرمين.