محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٣ - الخطبة الأولى
ولماذا لا يستبدّ الخوف بالنّفس حتى اليأس نظراً للذنّب العظيم، وقبح الفعل من العبد؟ ذلك لأن النفس اعتادت الإحسان من الله، وعاشت كلّ حياتها وهي تتلقّى فيوضات من الرحمة، ودروساً من التسامح، والعفو والتفضّل الإلهي بمقابلة السيئة بالإحسان.
أكفر الكافرين يُرزق ويُعطى الصحّة ويكون له الجاه، ويُمدّ في عمره، وهو لا يملك من أمر نفسه شيئاً، وكم عصى هذا العبد، وكم أسرف على نفسه، وهو يعلم أن الله على كل شيء قدير، إلا أنه يجد الإرجاء بعد الإرجاء، وإتاحة الفرصة للتوبة بعد الفرصة. إذاً لا يسع لنفس تلتفت إلى عفو الله وإحسانه أن تيأس من رحمته.
" (من وصايا لقمان لابنه) خف الله عزّ وجلّ خيفة لو جئته ببرّ الثّقلين لعذّبك وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك" ٣.
برّ الثقلين وتعذيب؟! نعم، من حقّ الله، ومن عدل الله أن يُعذّب من جاء ببرّ الثقلين لو أراد أن يُقاصّ العبد، وأن يحاسبه العبد حساباً دقيقاً دقيقاً بحيث، يكون عمله في كفّة، ونعم الله في كفّة أخرى، في هذا الحال من كان لعبد أياً كان أن ترجح أعماله أفضالَ الله تبارك وتعالى؛ فلا تعويل على العمل وإنما التعويل على رحمة الله وفضله وإحسانه.
النفس التي تغترّ بعملها نفسٌ لا تعيش حالة الإيمان اليقظ الواعي، ولا تعرف من حقّ الله الكثير، فالعارف بنعم الله وأفضاله لا يأخذه غرور من عمل صالح مهما كان كثرةً ومهما كان أخلاصاً وروعة.
" وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك" لأنه الغني عن عذابك، الذي لا حاجة له في تعذيب أي عبد، ولأنه الكريم. خلقك كرماً، ورزقك تفضّلًا، وسامحك في حياتك السماح الكثير تنزّهاً، وفي كل يوم يُعلّمك إحسانه وتفضّله أنه لا محسن كإحسانه، ولا تفضّل كتفضّله.
وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ٤.