محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٢ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة والأخوات المؤمنون والمؤمنات فهذه متابعة أخرى ل- حديث الخوف من الله تبارك وتعالى:
... يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ... ١.
تنتهي صياغة الإنسان المؤمن به إلى أنّ نفسه تعيش هذين البُعدين في تعادلٍ من غير إفراط ولا تفريط، نفسه تحذر عذاب الآخرة لا لظلم الربّ وإنّما بذنب العبد، وهو يرجو رحمة ربّه الواسعة، وتفضُّله وإحسانه. والحذر من العذاب يقف بالنّفس عن المعاطب والمزالق والمنحدرات، ورجاء رحمة الله عزّ وجلّ ينقذ النّفس من أن تيأس، فتقف حركته، فرحمة الله عزّ وجلّ تبقي للنّفس أملها، وتبقي لها فرصة العودة إلى الله سبحانه، والانطلاق على صراطه المستقيم تكميلًا لذاتها، وأخذاً جادّاً بدور خلافتها في الأرض.
" ارج الله رجاء لا يجرّئك على معاصيه وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته" ٢.
إذا كانت رحمة الله واسعة، وعطفه عظيماً، وإحسانه لا يضيق بشيء، والتكرّم والتفضّل والعفو والتجاوز عن الذنب خلقه فلماذا لا يتجرأ العبد على المعصية وقد أمن من العذاب وهو من العبيد الذين لا يعبدون الله عزّ وجلّ إلا خوفاً من العقاب؟
العقاب بعفو الله ورحمته الواسعة، وتفضّله وإحسانه تأمنه هذه النفس التي لا تراقب من الله عزّ وجل إلا سطوته وعذابه على المعصية وهي نفس لا تعيش الاحترام لله عزّ وجلّ، ولا تنظر إلى عظمته وتفضّله وإحسانه فتعيش الحب له، وتوجب على نفسها الشّكر لنعمه؛ فلِمَ التوقّف عن المعصية، ولِمَ عدم الجرأة وقد أمنت العذاب؟
لا ينبغي لنفس أن تنسى عدل الله، وقدرة الله، وحق الله في العقاب، وحكمته التي قد تقتضي العقاب. وهذه نافذة تمنع من الجرأة بدافع الإيمان برحمة الله وسعة إحسانه.