محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦ - الخطبة الأولى
عل نسق هذا الحديث يأتي الحديث الآخر ليقول:" كما لا يجتنى من الشّوك العنب كذلكَ لا ينزل الفجّار منازل الأبرار فاسلكوا أيّ طريق شئتم، فأيّ طريق سلكتم وردتم على أهله" ٤.
يقول عليّ عليه السلام:" ثمرة العمل الصّالح كأصله" ٥ هي ثمرة، وثمرة حقيقية، هي نتاج فعل لا يأتي إلا من طبيعة ذلك الفعل.
" ثمرة العمل السّيء كأصله" ٦ فما كان عملًا صالحاً لا تقبل طبيعته إلا أن تأتي النتيجة عنه صالحة، وما كان من العمل سيئاً يفرض بطبيعته أن تكون النتيجة له سيّئة، وهكذا نحن أمام نتائج هي دائماً من صنع أيدينا، هي من زرع أيدينا؛ إذا واجهنا مستقبلًا دنيوياً زاهراً فذلك من صنع أيدينا، وإذا واجهنا مستقبلًا بائساً فهو كذلك من صنع أيدينا، وهذا يتجلّى تماماً ولا يبقى فيه أدنى شك على صعيد الآخرة حيث إن المرء لا يواجه إلا النتائج الحقيقية لعمله، ولا يحصد هناك بحقّ إلا ما زرع.
هذه أحاديث أخرى تتكلم عن أن كل شيء في هذه الحياة لابد أن يطلّقنا أو نطلّقه. ستنتهي كلُّ الروابط بيننا وبين هذه الأرض، وهذه السماء التي نستظل، وكل شيء في الحياة الدنيا. نعم لا يبقى إلا شيء واحد يرتبط به مصيرنا النهائي.
" يتبع الميّت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله" ٧ ليسعد بهذا العمل أو يشقى. وليس هناك من مصدر بعد رحمة الله عزّ وجل لسعادته إلا العمل الصالح، وإذا كان سيشقى فإنّما سيشقى بعمله لا غير.
و هذا حديث يظهر منه أن العمل الصالح يتحوّل إلى وجود خارجي، وهو وإن كان ملازماً للنفس إلا أنه شيء غيرها، حيث يقول الحديث:" إنّ العمل الصّالح يذهب إلى الجنّة ٨ فيمهّد لصاحبه كما يبعث الرّجل غلامه فيفرش له ثمّ قرأ و أما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلأنفسهم يمهدون.