محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٤ - الخطبة الأولى
الحسدُ المحسودَ بقبيح، وقبل أن ينال المغضوب عليه من غضب الغاضب محنة فإنّ كل ذلك يبدأ بالثلاثة المتصفين بهذه الأمراض النفسية الخبيثة.
" لا يقوم ١٠ عزّ الغضب بذل الاعتذار" ١١.
قد يتراءى في الغضب عزّ ظاهريّ للغاضب برفع صوته و بطش يده، وكلمات الصراخ الجارحة منه، لكن ما أن يفيق هذا الغاضب ويتكشّف له في لحظة أن يعود إليه عقله وحكمته ورزانته أنّه قد سقط، وقد أخطأ، وقد ظلم لحظة غضبه حتّى يحتاج إلى الاعتذار إذا كان أهلًا لذلك. ولحظة الاعتذار لحظة ذلّ، لحظة انكسار، لحظة تراجع، لحظة تسجيل للسوء، للخطأ على الذّات، ولو قسنا العزّ الظاهريّ الذي كان للغاضب لحظة غضبه كما يتراءى للجاهل، أو كما يتراءى لنفس الغاضب حالة طيشها، لو قسنا ذلك العزّ الكاذب إلى الذلّ الذي سيعاني منه الواقع في الخطأ بغضبه لما ساوى عزّه شيئاً من ذلّه.
" الغضب نار موقدة من كظمه أطفاها، ومن أطلقه كان أوّل محترق بها" ١٢.
نار موقدة، وكم الذين يستطيعون أن يطفئوا ناراً موقدة في داخلهم؟ من بلغت به قدرة الانضباط، وقدرة المواجهة والمقاومة لنفسه أن يستطيع إسكات غضبه بمعنى أن تتوثّب نفسه للتعبير عن غضبه الداخلي لكنه لا يفعل، وتحدّثه نفسه بأن يتفجّر أمام من أخطأ عليه غضباً ونقمة، لكنّه لا يفعل، إذا قدّر أن ليس في هذا الغضب مرضاة لله سبحانه فهو الرجل حق الرجل. ومثل هذا يكون قد استطاع أن يطفئ نار غضب في داخله تريد أن تنطلق، وتعبّر عن نفسها، وأن تتحرك في الخارج عن طريق صوت عالٍ أو يدٍ ضاربة،