محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٣ - الخطبة الأولى
فِيمَ يفتقرون إليه وهو الفقير بلا مال؟ في مستوى نفسيّته، في صفاء روحه، رجاحة عقله، الهدى الذي هو عليه، الراحة القلبية التي يتمتع بها، السموّ الروحي الذي يعيشه، العزّة والشموخ الذي يوفّره له استغناؤه بالله سبحانه وتعالى.
وكلِّ ذلك زادٌ لا يُشترى بمال، وكلّ ذلك شيء ضئيل منه أكبر فيما يعطيه النفسَ من راحة من كلّ المال. فالنّاس محتاجون إلى ذلك النوع من الإنسان.
" من رُزِق ثلاثاً نال ثلاثاً وهو الغنى الأكبر: القناعة بما أُعطي، واليأس ممّا في أيدي النّاس، وترك الفضول" ٥.
القناعة بما أُعطي لاتتم إلا بالثقة بالله عزّ وجلّ، وطلب رضا الله تبارك وتعالى، وتقديمه على كل شيء، وبرقيّ النفس حتّى لا تأنس بشيء كما تأنس بذكر الله.
واليأس مما في أيدي الناس يقوم على نظرة ثاقبة دقيقة صافية تحدد لصاحبها أن الناس- كما مضى- يموتون ولا يبقون، تتغير قلوبهم وتتغير أحوالهم، وسوامق وشواهق من النّاس تندكّ اندكاكاً حتى تتحول ودياناً، وأرقام كبيرة في الناس تصغر بعد جاهٍ عريض أو مال وفير أو سلطان ضخم.
في كثير من الأحوال أن ما يشقي الناس أنهم يتبذّخون في مأكل ومشرب وملبس ومسكن وغير ذلك، ويطلبون ما لا يخدم حياتهم، ولا يوفر لهم الصحة بل قد يوقعهم في الأمراض.
وطلب الزائد من اللذائذ ومن المتاع ومن أشياء الدنيا وزينتها يُتعب النفس، فإن شره الدنيا لا يقف عند حد، والتعلّق بالرغبات يمتد ويمتد مع الأيام حتّى لتعجز الدنيا كلّها عن تلبية شره نفس تعلّقت بها، فكيف لا يتعب صاحب شره كذلك، ومتى يشعر بالغنى