محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٩ - الخطبة الأولى
حتى يكون تقرُّبُها للذي دونه؟! وهل شيءٌ مما تخاف وتحذر ترتقب أن يدفعه عنها دافع إلّا هو حتى يجوز أن يكون لها مقصود غيرُه؟
الحقُّ كل الحقّ أنّ من لم يكن جاهلًا أو غافلًا مخموراً كان لابدّ أن تجده على تقوى من الله مخلصاً له عبادته، ليس له شريك مع الله أبداً.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم ارزقنا ذكرك وشكرك، وإخلاص الطاعة لك، ودوام العبادة الصادقة التي يُنال بها رضاك، وادفع عنا شرّ الدنيا والآخرة، وأنِلنا خيرهما يا كريم.
أما بعد فالحديث في موضوع المعاد، والحديث في المعاد محبوب ومرهوب. إنّه محبوب لأنه يبعث الأمل، ويُعطي قيمة كبرى لهذه الحياة لا تكون لها بدونه، ويُنقذ من يأس الفناء،
وتلاشي الوجود، وظلمة العدم، ويُبشّر بحياة كريمة هانئة ممتدة لا تعرف الفتور ولا التوقُّف والانقطاع. نعم إنه حديث محبوب لنفس آمنت بربها ورسله واليوم الآخر وعملت صالحاً.
وإنه لمرهوب من نفس كفرت بربها، ولم تُقدِّم لنفسها إلا سوءاً، أو كثر تفريطها في هذه الحياة. وإن عقيدة الآخرة لتهتزّ الحياة كلّها باهتزازها، ولتنحرف الحياة عن خطّ غايتها بأقصى ما يكون الانحراف حين تذوب في نفس الإنسان.
لا تنحفظ حقوق كما يجب، ولا يستقيم خطّ الحياة، ولا يقوم عدل، ولا تُعرف كرامة إلا بأن تعيش عقيدة الآخرة حيّة في نفوس النّاس، ومن دون ذلك فمُحال على هذه الحياة أن تستقيم على خطّ غايتها، ومحالٌ على المجتمع الإنساني أن يجد راحته.