محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٠ - الخطبة الأولى
وها هي الدنيا أمام ناظرينا قوّتها إلى ضعف، وصحتها إلى مرض، وشبابها إلى هرم، والعقل فيها إلى خرف، والحركة إلى سكون، وأهلها يفنَون، وملكها يزول، وعزّها ينتهي، ودولتها لا تدوم. فمن أين يأتينا الخطأ في التقييم والتقدير لو لا الغفلة والنسيان، والإهمال والتضييع. ألا فليأخذ كل عبد حذره فإن الأيام لا تهادن طويلًا، والدنيا ليست بالتي تمكث الكثير.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرّحيم. ربّنا أعنّا على أنفسنا وعلى الشيطان الرجيم وجنده الغاوين، واهدنا ولا تضلّنا فنقدِّم الدنيا على الآخرة، أو نشتري التي هي أدنى بالتي هي خير يا كريم يا رحيم.
أما بعد فهذه بقية حديث قصيرة في موضوع التفكّر:
تقول الكلمة عن عليٍّ عليه السلام وهي تعطي درساً في تحصيل العلم وتوسّعه: «فضل فكر وتفهّم، أنجع من فضلتكرار ودراسة» [١] ١.
العملية التلقينية وشرح الشارحين، ومطالعة ما أنتجته الأقلام كلّ ذلك لا يكفي للتعلُّم. التعلّم في خطوته الأكثر جدّية، في خطوته المنتجة، والتي تضيف إلى الفكر فكراً، وتتقدّم بمستوى الفكر عند الإنسان إنما هي عمليّة التفكّر، والتفهّم، والتأمّل فيما نسمع، وفيما نقرأ، فيما أنتجه الآخرون، المتعلّم الحق لا يقف من كلّ ما كُتب موقف المتلقّي المستسلم وإنما يحاول دائماً أن ينظر فيما كتبه الآخرون، وأن يُعمل فكره ليقبل ما يصحّ
[١] ميزان الحكمة، الريشهري، ج ٧، ص ٤٥١.