محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٨ - الخطبة الأولى
ثم لا نقف هذا هو الصحيح. تمام العلم أن نصل إلى النتيجة الصحيحة من خلال المقدمات ثم أن نبني عليها، فكما لا فائدة في معلومات طبّيّة، وفي نتائج طبيّة باهرة لا يتعامل معها الطبيب على مستوى التطبيق، كذلك لا فائدة في نتائج فلسفية كبيرة، نتائج فقهية كبيرة، في معلومات معمّقة، في قدرة عقلية فائقة تصل إلى نتائج لا يصل إليه كثير من العقول ثمّ لا تأخذ تلك النتائج مكانها في التعامل مع الحياة، في التعامل مع هذا العمر القصير، في التعامل مع الحقائق الكبرى.
الحيوان يسمع، ولكنّ الحيوان لا يتفكّر، والحيوان أحسن منّا في بعض الموارد؛ حيث يفهم المعلومة الحسّيّة فيبني عليها، فيجتنب ما يضرّ، ويُقبل على ما يفنع، أما البشر فيعلم أن الخمر ضارّ، وأن المخدّرات قاتلة، ولكنّه لا يمسك نفسه عنها. أحمارٌ أحسن أم إنسان من هذا النوع؟! لك أن تجيب وبكل جزم أن الحمار أحسن.
«ونظرفأبصر» ينظر ما يُري الحقيقة، ولكنه يعمى عن الحقيقة، أو يرى الحقيقة على مستوى الفكر، ولكنه يعمى عنها على مستوى النفس والشعور.
«وانتفعبالعبر» كم نقرأ من تاريخ، وكم وقف بك عمر عشرين سنة على دروس في هذه الحياة لا تُعدّ ولا تُحصى، كم رأيت من حياة حيّ، من ولادة وليد، ومن موت شاب، ومن غنى فقير، ومن فقر غني، ومن قيام دولة، وسقوط دولة، ومن مرض يعصف بصحّة وقوّة بطل، كم رأيتَ من هذا وغيره الكثير الكثير، أنا إذا رأيتُ كلّ ذلك وإن كنتُ ابن العشرين ولم أعتبر فأنا الغبيّ السافل الساهي الساقط، ولحمار أحسن من إنسان بهذا المستوى، لأن الحمار كما سبق ينتفع يفهم.