محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٧ - الخطبة الأولى
يفرّ من شرّ الدنيا بطلب شرّ الآخرة؟! افرضه فيلسوفاً، افرضا فقيهاً، افرضه أي عظيم تراه، إلا أنه في واقعه جاهل، غافل، ساقط، سفيه، غبي، أعمى، بعد أن تتساوى عنده لذائذ فانية متقضّية لا يمسك أحدنا منها لذّة مضت قبل لحظة في لحظته الحاضرة مع لذائذ لا تعرف النفاذ، ونعم لا يأتي عليها نقص أخطر مرض، وأقسى سجن تنتهي آثاره لا يشكو منه البدن، أما عقوبات الآخرة فهي باقية، ولذائذ الآخرة لا تفنى، ثم الفرق الكبير في نوع اللذّة، وكمّ اللذة، وفي نوع العقوبة، وكمّ العقوبة بين ما هو في الدنيا وبين ما هو في الآخرة وهذا يجعل النظر المساوي لهما نظراً ساقطاً في العقل بالمرّة.
«تمييزالباقي من الفاني من أشرف النّظر» ثمّ الاعتماد على من يفنى، والإدبار عمن يبقى، الإدبار عن الله، والاستغناء عنه بعبد من عبيده تسافل في العقل، وعمىً في الرؤية، وسفه في الخيار، فمن تُفرضه ذاك؟ تفرضه فقيهاً؟ تفرضه فيلسوفاً؟ تفرضه سياسياً؟ تفرضه أي مستوى من المستويات؟ حيث يبيع العلاقة مع الله عزّ وجلّ بالعلاقة مع عبيده أقارب، أباعد، أكابر، أصاغر فهو سفيه.
وتقول الكلمة عن عليٍّ عليه السلام: «إنّما البصير من سمع فتفكّر،ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثمّ سلك جَدَداً واضحاً يتجنَّب فيه الصّرعة فيالمهاوى...» [١] ٦.
«إنّماالبصير من سمع فتفكّر...» الإنسان لا يكون عاقلًا حيث يكون بمنزلة جهاز الكمبيوتر، وظيفته تلقّي المعلومات. وارتسام المعلومات في الذهن وإن كثرت لا يمثّل الشيء الكبير في حياة الإنسان، أن نستنتج، أن نستنبط، أن نصل من المقدّمات إلى النتائج
[١] المصدر نفسه.