محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٦ - الخطبة الأولى
عبادة العُبّاد حين لا تقوم على فقه وعلى فهم لقيمة الدين فهماً يعطيها الاعتزاز به، والتمسّك به في أشدّ الظروف هذه العبادة لا تحمي النفس من المنزلقات، وأمّة ليس فيها فقيه ما أسهل على الفكر الآخر أن يستحوذ عليها، ما أسهل على الغزو الفكري أن ينحرف بها عن الطريق، والفقيه الذي أعنيه هو كما تقدّم فقيه يعرف الإسلام في كل أبعاده، ويعتزُّ به، وهذا الفقيه خيمة أمّة، قلعة أمّة، هذا الفقيه جيش عرمرم في وجه الغزو الفكري والحضاري، هذا الفقيه يُعطي الشعور بالعزة والصمود والقوة والقدرة على مواجهة أي غزوٍ؛ كان غزواً عسكرياً أو غزواً حضارياً أو نوع من الغزو.
أما جهلة يسجدون ويركعون من غير فهم للدين، ومن غير فهم لأساساته، وما عليه وزنه الكبير، ومن غير التفات إلى ما عند الأمم الأخرى، والفراغ من أن ليس لذلك لها قيمة أمام قيمة الإسلام فهؤلاء لا يقوم بهم الدين، ولا حفظ منهم لكيان الأمة.
ولذلك علينا لكي نعتزّ بأنفسنا، لكي نقوى، لكي نصمد أمام أي غزو، وأمام الكلمات الساقطة من غير الدينيين أن نمتلأ ديناً، أن نتوفّر على فهم الدّين، أن يصدق انتماؤنا لدين الله وعياً وشعوراً غزيرين عميقين واسعين.
وفي سياق الحديث السابق تأتي الكلمة عن زين العابدين عليه السلام:" متفقّه في الدّين أشدّ على الشيطان من عبادة ألف عابد" ٤.
أما إذا اجتمع الفقه والعبادة ولابد أن يجتمعا وإلا لم يكن هناك فقه، إذ العبادة لب الدين، ولكنّ العبادة التي هي اللبّ هي العبادة عن وعي، وعن توقير لله، وعن خضوع وخشوع، وعن شعور بالحاجة إلى الله في هذه العبادة، وهذا لا يكون إلا بفقه، ولا يكون إلا بمعرفة لله، ومعرفة لدينه.
أقول والهدف هو أن يجتمع الفقه والعبادة وإلا لم تكن هناك عبادة حقيقية، ولم يكن هناك فقه صادق.