محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٥ - الخطبة الأولى
الهدف هناك، الهدف بعيد، الهدف الآخرة، ولكن الطريق لإصلاح الآخرة هو الاستقامة على الطريق في الدنيا. والإسلام يريد أن يبني الفرد القوي، ويريد أن يبني المجتمع القوي، ومن أسباب القوّة أن لا تتدهور أحوال المعيشة عند الفرد والمجتمع.
وكلمة الحق تحتاج إلى قوّة، ومن بين أسباب القوّة التي يُستعان بها على انتشار كلمة الحق، واستقطابها لحركة الحياة، وسيادتها في الأرض أن نطلب صلاح المعاش، ولا يسمح أحدنا لنفسه أن يكون عالة حتى على أبيه أو ولده.
وإذا كان هذا الفقه من فقه الدنيا فإنه كما سبق لا ينفصل عن فقه الآخرة، فإن رجلًا يتحول إلى عالة على أحد من الناس مع قدرته على الكسب لا يكون القوي، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
وليس من حبّ الدنيا طلب ما يصلحك، إنما حبّ الدنيا المفسد النفس هو أن تستهلك الدنيا النفسَ، وتستقطب مشاعرها، وتكون همّها الكبير الذي يصرف عن الله عزّ وجلّ.
نطلب الدنيا ولكن بلا ميل خاطرة، ولا ميل فكرة عن الله سبحانه وتعالى، عن الهدف الكبير وهو رضوان الله وطلب الجنّة.
" إنّ من الحقّ أن تتفقّهوا ومن الفقه أن لا تغترّوا ..." ٢. الكلمة عن علي عليه السلام.
الفقه حقٌّ على الرجل والمرأة وهو فقه الدّين والدنيا التي لم يفقها من قدَّمها على آخرته، والنفس التي تُصاب بالغرور هي نفس تمكّن منها الجهل ولم تنلْ شيئاً من الفقه، ومن أوّل الفقه أن نعرف أنفسنا، ومن عرف نفسه لا يمكن أن يصاب بالغرور. كيف يغترّ أحدنا وهو العبد المملوك لله سبحانه وتعالى بالكامل، وليست له أدنى استقلالية في ذاتٍ، في وجود، في حياة، في أثر.
" فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد" ٣.