محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٠ - الخطبة الأولى
تكبر في عينه الدنيا وهو يعرف الشيء الكثير عما في الآخرة، لا يمكن له أن تنهزم نفسه أمام إغراء، أو وعد أو وعيد ونفسه وقلبه منشدّان إلى الله، ذلك فقيه لا تغلبه الدنيا ولا تصرعه، ومن لم يزهد في الدنيا كان مغلوباً لها.
إن وراء ذلك الفقيه قلباً قد استقطبته الآخرة، وأكثر من ذلك قد استطقبه جمال الله، فيقول الإمام عليه السلام" إنّ الفقيه حقّ الفقيه الزّاهد في الدّنيا الرّاغب في الآخرة المتمّسك بسنّة نبيّه"، نعم من رأى شيئا من عظمة الله، ومن رأى شيئا من عظمة الإسلام كان الزّاهد في الدّنيا، الراغب في الآخرة، المتمسّك بسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم.
انظروا إلى أثر الفقه في صياغة النفس، الفقه بمعناه الواسع العميق الذي مرّت الإشارة إليه في حديث أو أكثر من حديث سابق، انظروا للفقه كيف يصنع الرجال، وكيف يرتفع بالنظر والهمّة، وكيف تتفه الصارفة للكثير عن الله عند المتصف به الأشياء بعد أن يعظم الله عزّ وجلّ في قلبه.
" لا يفقه الرّجل كل الفقه حتّى يرى النّاس ٥ في جنب الله تبارك وتعالى أمثال الأباعر ٦ ثمّ يرجع إلى نفسه فيكونَ هو أحقر حاقر لها" ٧.
وربّما ينصرف ذهن البعض إلى أنّ هذا الشعور الذي يعيشه المرء أمام نفسه ربّما يحفر فيها الشعور بالحقارة، والشعور بالدونية في التعامل مع غير الله، وهذا خطأ. هذا الشعور بحقارة النفس إنما هو شعور أمام واحد فقط، أمام الغنى المطلق، والجمال المطلق، والحياة المطلقة، والكمال المطلق حيث يعاين الإنسان نفسه عدماً محضاً أمام الله عزّ وجلّ، وأن ليس له من شيء يُذكر في نفسه ومن نفسه وبنفسه، إنما كل مذكور فيه هو من جود الله،