جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦٤
فهو أبو العترة من جهة، وجامع الثقل الأكبر ـ أعني القرآن الكريم ـ من جهةٍ أُخرى.
فهؤلاء كانوا لا يريدون أن يعطوا عليّاً ما أعطاه الله ورسوله، فسعوا جادِّين جاهدين لتحريف المسيرة ورسم البديل لأنفسهم ثم للخلفاء من بعدهم، فسلبوا أوّلاً الخلافة منه، ثمّ حاولوا أن يسلبوه كلَّ فضيلة، وكانت فضيلة جمع القرآن بين الدفّتين ممّا سلبوه أيضاً، متظاهرين بحرصهم على الحفاظ على القرآن المجيد وخوفهم من ضياعه، فبدؤوا بجمع القرآن من نقطة الصفر تحت غطاء التثبّت والضبط، وعملهم هذا وإن كان في الظاهر مقبولاً، لكنه في العمق كان فيه إساءةٌ إلى القرآن، والمساس بتواتره، وتعريض برسول الله n، وبالصحابة العلماء القرّاء، كأُبيّ وابن مسعود وأبي الدرداء، وعلى رأسهم التعريض بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب A الذين ذكرهم الذهبي في الطبقة الأولى من أعيان القراء.
قال محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ) في تفسيره (مصابيح الأسرار)، موضّحاً هذا الأمر:
ودع هذا كلّه، كيف لم يطلبوا جمع عليّ بن أبي طالب؟ أوَ ما كان أَكْتَبَ من زيد بن ثابت؟ أوَ ما كان أَعْرَبَ من سعيد بن العاص؟ أوَ ما كان أقرَبَ إلى رسول الله من الجماعة؟ بل تركوا بأجمعهم جمْعَه، واتَّخذوه مهجوراً، ونبذوه ظهريّاً، وجعلوه نسياً منسيّاً؟
وهو لمّا فرغ من تجهيز رسول الله وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، آلى أن لا يرتدي برداءٍ إلّا لِـجُمعة، حتّى يجمع القرآن، إذ كان مأموراً بذلك أمراً جَزْماً.
فجمَعَه كما أُنزل، من غير تحريفٍ وتبديلٍ وزيادةٍ ونقصان، وقد كان