جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤٤
العرب أن يجتمعوا في أسواق مكّة (ذي المجاز وعكاظ وعرفات وغيرها) يستمعون قصائد شعرائهم ويحفظونها عن ظهر قلب.
وبما أنّ السور المكّية ـ مع قصرها ـ كانت أبلغ من قصائد العرب، لذلك كان حتّى المشركون يتسابقون لاستماع تلاوة رسول الله n في صلاة اللّيل ويحفظونها عن ظهر القلب، استلذاذاً بقوّة الفصاحة وسموّ البلاغة ورفعة التركيب في القرآن الكريم.
فقد كان قادة قريش يأتون رسول الله في اللّيل متنكّرين ليسمعوا آياته. قال محمّد بن إسحاق في (السيرة): حدّثني محمّد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنّه حدّث:
أنّ أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلةً ليسمعوا من رسول الله n وهو يصلّي بالليل في بيته، فأخذ كلّ منهم مجلساً ليستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا أصبحوا أو طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودن، لو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً.
ثمّ انصرفوا، حتّى اذا كانت اللّيلة الثانية عاد كلُّ رجلٍ منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا طلع الفجر تفرّقوا فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتّى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق فقالوا: لا نبرح حتّى نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك، ثمّ تفرقوا.
فلمّا أصبح الأخنس بن شريق، أخذ عصا ثمّ خرج، حتّى أتى أبا سفيان