جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٥١
ومن هنا قد جاء ابن حجر ليخفّف الوطأة فيما قالوه، إذ قال:
وهذا يدلّ على أنّ كثيراً ممّن قد قُتل في واقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أنّ مجموعهم جمَعه لا أنّ كلّ فردٍ جمَعَه [٨٨].
اذن التطرّف والغلوّ بقي موجوداً في النصوص، ولو تأمّلتَ فيما أخرجه ابن أبي داوود عن ابن شهاب الزهري، لاستشممت رائحة التحريف منه فوّاحة، إذ قال:
بلغنا أنّه كان أُنزل قرآنٌ كثير، فقُتل علماؤه يوم اليمامة الّذين كانوا قد وعوه، ولم يُعلَم بعدهم ولم يُكتب، فلمّا جمع أبوبكر وعمر وعثمان القرآن لم يوجد مع أحد بعدهم [٨٩].
وقد استغل المستشرق جون جيلكرايست هذه الرواية معلقاً عليها بالقول:
ومعنى هذا أنّ الرواية تؤكد سقوط نصوص كثيرة بدليل (لم يعلم) و(لم يكتب) و(لم يوجد مع أحد بعدهم) وأنها ضاعت بقتل من كان يحفظها[٩٠].
واللّافت أنّ هذا الكلام باطل جملة وتفصيلاً وأنّ هؤلاء القرّاء المقتولين بسيف بعض المؤرخين لم يكونوا بهذا العدد الهائل، ولم يكونوا منسيّين في التاريخ، فقد ذكر ابن حزم من هؤلاء القرّاء ٢٠ اسماً [٩١]، والبلاذري ٢٩ اسماً [٩٢]، اثنا عشر منهم يشتركون
[٨٨] فتح الباري ٩: ١٢.
[٨٩] المصاحف لابن أبي داوود ١: ٢٠٨ / ٨١، وعنه في كنز العمال ٢: ٢٤٧ / ٤٧٧٨.
[٩٠] مجلة المصباح العدد الخامس الصفحة : ١١٨.
[٩١] الفصل ٢: ٦٦.
[٩٢] فتوح البلدان: ١٠٠ ـ ١٠٢.