جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٠
* المقدّمة الثانية:
فسرت مدرسة الخلافة لفظة الجمع في رواية أنس بن مالك وأمثاله: «مات النبيّ ولم يجمع القرآن غيرُ أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»[٥٩]، بأنّ معناه: أنّ هؤلاء جمعوا القرآن في الصدور لا في السطور، أي أنّ الجمع عندهم كان جَمْعَ حِفْظٍ لا جمع تدوينٍ وكتابة.
وهذا التفسير يخالف المألوف عند اللّغويّين، لأنّ الجَمْع لُغَةً يشمل الكتابة والحفظ معاً، وأنّ ترجيح أحدهما على الآخر هو ترجيحٌ بلا مرجِّح، خصوصاً مع معرفتنا بوجود كَتَـبَةٍ لرسول الله n أيام حياته يكتبون الوحي عنه، إذن معنى الجمع واضح عندنا، فما يعني وجود الكتبة لو كان المقصود منه هو الحفظ فقط؟!
بل لماذا يَخُصُّون الجمع بالحفظ، ويُخَطِّؤون التفسير الآخر؟
إنّ وراء هذا سرّاً كامناً، ولا أستبعد أن تكون قد جاءت من أجل حصر الجامعِين للقرآن ـ بحسب زعمهم ـ بالخلفاء الثلاثة لا غير، وذلك بعد نفيهم جمعَ الآخَرين للقرآن كتابةً وتدويناً.
[٥٩] صحيح البخاري ٤: ١٩١٣ / ح ٤٧١٨، وفي روايةٍ أُخرى / ح ٤٧١٧: «أُبيّ بن كعب» بدل «أبي الدرداء»، وهناك اختلاف في أسماء الجامعِين للقرآن وأعدادهم، حتّى أوصلها بعضهم إلى أربعين صحابيّاً.