جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤٦
وقال نحو ذلك عتبة بن ربيعة:
ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة فوَ الله ليكوننّ لقوله الّذي سمعت منه نبأٌ عظيم [٥١٦].
فلو كان هذا شأن المشركين من العرب!! فهل هناك من فضيلةٍ خارقة للصحابيّ إذا حفظ القرآن عن ظهر قلبه؟ ألم يكن في هذا الكلام استخفافٌ بالصحابة؟!
لا شكّ في أنّ حفظ القرآن أمرٌ حَسَنٌ وقد دعى إليه العقل والذوق والشرع، لكنّ القرآن نزل للعمل لا للحفظ، وإن مدرسة الخلافة ركّزت على الحفظ محرِّفة اهتمامات الإنسان المؤمن في العمل بالقرآن إلى الحفظ له، ولأجل هذا جاء التأكيد من قِبل الرسول والأئمّة على الاهتمام بالمفاهيم القرآنية والتدبر في آياته ومعانيه ورعاية حدوده وفرائضه أكثر من الاهتمام بالألفاظ، فقالوا عن الجامعين للقرآن: أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده تأكيداً على تحريفهم للمسيرة الفكرية للاسلام.
فحفظ القرآن أمرٌ محبوب، لكن ليس كلُّ محبوبٍ دِيناً، فإنّ الخوارج من الحَفَظة حسب اعتراف الجميع، لكنّهم مارقون ملعونون، وهم الّذين عناهم الرسول في قوله: «لا يتجاوز القرآن تراقيهم» [٥١٧].
فهل يكون بعد هذا للجامعين للقرآن ـ بمعنى الحافظين ـ فضيلة عظمى ومنزلة لا تُجارَى؟!! ولماذا يحصرون جهد الصحابة في القرآن بالمحفوظ دون المدون المكتوب؟
[٥١٦] سيرة ابن هشام ٢: ١٣٢، سيرة ابن إسحاق ٤: ١٨٨.
[٥١٧] أنظر: صحيح البخاري ٦: ٢٥٤١ / ح ٦٥٣٥ باب من ترك قتال الخوارج.