جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٨٥
وهذه الرواية هي الّتي استدلّ بها السيوطي في (الإتقان) على توقيفيّة السور والآيات، في حين أنّه قد ترشدنا جملة ابن عبّاس: «ما حملكم فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)»، وجملة عثمان: «وقبض رسول الله n ولم يبيّن لنا أمرها»، إلى عدم توقيفيّتها [٣٨٧]، لأنّ ابن عباس سأل عثمان عن سبب قِران الأنفال ببراءة دون فصلها ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك إشارة منه إلى عدم صحّة عمله، وأنّ ما علّله ليس هو السبب الحقيقي في ذلك، بل هناك سببٌ آخر، إشارة منه إلى وجود رواياتٍ أُخرى جاءت عن الامام عليّ A في ذلك.
مع التأكيد بأنّ عثمان وإن كان قد اجتهد في عدم الفصل بالبسملة بين الأنفال وبراءة ظنّاً منه أنّهما سورة واحدة، إلّا أنّه قد ثبت في خبرٍ آخَر عن الإمام عليٍّ A وغيره بأن البسملة أمان ورحمة وأنّ سورة براءة نزلت بالسيف.
قال الآلوسي في (روح المعاني):
[٣٨٧] ذهب الباقلّاني (ت ٤٠٣ هـ) في (الانتصار للقرآن) باب ترتيب الآيات والسور، إلى عدم توقيفيّة السور، واستدلّ بالخبر الآنف، فقال: وفي العلم بعدم ذلك دليل على أنّه لم يكن منه توقيف، ويدلّ على ذلك قول عثمان: «وكانت الأنفال من أوّل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصّتها تشبه قصّتها فظننتها منها»، وهذا تصريحٌ منه بعدم التوقيف، وقد تضمّن ذلك أنّهما سورتان، لأنّه سمّى كلّ واحدةٍ باسمها. أنظر: الانتصار ١: ٢٨١ و٢٨٢.