جمع القرآن نقد الوثائقو عرض الحقائق - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٨٠
وجوب ترتيب تأليف السور في الكتابة والرسم لوجب ظهور ذلك وانتشاره وعلم الأُمّة به، ويدلّ على ذلك قول عثمان ـ في حديثٍ طويل ـ (وكانت الأنفال من أوّل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، فكانت شبيهة بقصّتها، فظننت أنها منها، وقبض n ولم يتبيّن أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما). فهذا تصريح من عثمان بأنّه لم يكن من الرسول نص على وجوب تأليف الأنفال إلى براءة، وأنهم إنّما عملوا ذلك بالرأي والاجتهاد.
واستدلّ أيضاً قوم على سقوط ترتيب تأليف السور بأنه قد علم أنه ليس في الدنيا مترسل أديب ولا شاعر مُفلِق ولا خطيب مصقع يأخذ الناس بترتيب قصائده وخطبه ورسائله، وإنما يريد أن يحفظوا قصيدة منها على ترتيب نظمها وتأليف أبياتها وسياق بيانها، ثمّ لا يبالي أيهما كتب في ديوانه أولاً وآخراً ووسطاً، كذلك المترسّل والخطيب، قالوا: فكذلك رسول الله إنما أراد من الأُمّة حفظ السور وتلاوتها على نظامها وترتيب آياتها فقط، ولم يُرد منهم تأليف كلّ سورة منها قبل صاحبتها
فأمّا مَن زعم أنّ الرسول قد نصّ على تأليف سور القرآن ورسمها في المصاحف على ما هي عليه في الإمام فقد استدلّ على ذلك بأمور لا حجّة في شيءٍ منها، فمن ذلك أن قالوا: قد اشتهر عن بعض السلف ـ هو عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ـ أنّهما كرها أن يُقرَأَ القرآن منكوساً، فروي أنّ عبد الله بن مسعود سئل عن رجلٍ يقرأ القرآن منكوساً، فقال: ذلك منكوس القلب. وإنّ عبد الله بن عمر ذُكر له أنّ