الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٤٤ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
أهلي في قلق فأخبرتهم الخبر، و دفعت إليهم ما أرسلته لهم أمّ أمير المؤمنين، فقالوا: أ لم نقل لك توسل بجدّه يكفيك هذا الأمر (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)).
روي أنّ أبا حنيفة النّعمان بن ثابت الكوفي رضى اللّه عنه، قال: (حججت سنة فلمّا كنت بمنى إذ أنا بقبّة مضروبة من أدم، فقلت: لمن هذه، فقيل: هي لمحمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنهم)، فقلت: أهل بيت النّبوّة، و معدن الرّسالة، لأدخلنّ عليه فأسلم عليه، لعل فائدة تكون منه، أو مني إليه، فلمّا صرت إليه، نظر إليّ من أعلاي إلى أدناي، و قال: ما حاجتك؟ قلت السّلام عليك، و أداء بعض الواجب لك، قال: أدخل فسلم، و لا تجلس، فدخلت، و سلمت، و جلست، فسكت، و سكت، ثمّ قلت في نفسي: ما يمنعني من مسائلته من قبل أن يأتيه من يشتغل به، فقلت له: أنت كما يقول هؤلاء، و أشرت بيدي إلى الشّرق، فأزداد غيظه، و أشار بيده إلى حيث أشرت، و قال: ما يقول هؤلاء؟ قلت: يقولون أنّك تزعم أنّك تعلم ما في غد، قال: كذب القائلون ذلك، و الّذي يعلم ما في غد هو اللّه تعالى، قال:
فقلت، و يزعمون أنّك مولى كلّ مؤمن؟ فقال: كذب القائلون ذلك، ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قلت: و يقولون، أنّك تذم أبا بكر، و عمر؟ قال: كذب القائلون ذلك، هما صحبا النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، على النّصيحة، و الوفاء، و خرجا من الدّنيا، و ما نرجوا القربى من اللّه تعالى إلّا بحبهما، و اتباع آثارهما، قلت: فلم لا تنهاهم عما يقولون، قال: قد فعلت، و أبوا كما نهيتك أن تجلس فأبيت، ثمّ استوى جالسا، فقال لي: من أين الرّجل؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: لعلك أبو حنيفة، قلت: نعم، قال: صاحب القياس، قلت: نعم، قال: بلغني أنّك تقيس ما دون العرش إلى تخوم الأرض؟ قلت:
نعم، قال: و كيف وجدت السّبيل إلى ذلك؟ قالت: رويت أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أخبار الصّحابة، فاتسع لي القياس، قال: إنّي أسألك عن مسائل تستعمل فيها
- ينابيع المودة: ٣/ ١٧٩، جواهر العقدين للسمهودي: ٢/ ٢٨٢.