الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٨ - الباب الأوّل في نبذة من فضائلهم، و قطرة من شمائلهم
- بلادكم.
فأتى رسول اللّه و قد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن، و فاطمة تمشي خلفه و عليّ خلفها، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوها لو شاء اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك و أن نقرّك على دينك، و نثبت على ديننا.
قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فإذ أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين و عليكم ما عليهم. فأبوا،
قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فإنّي اناجزكم، فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة. و لكن نصالحك على أن لا تغزونا، و لا تخيفنا، و لا ترددنا عن ديننا، على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة: ألف في صفر، و ألف في رجب. و ثلاثين درعا عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): و الّذي نفسي بيده إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، و لو لاعنوا لمسخوا قردة، و خنازير، و لاضطرم عليهم الوادي نارا.
و لاستأصل اللّه نجران و أهله حتّى الطّير على رءوس الشّجر، لما حال الحول على النّصارى حتّى يهلكوا. (الكشّاف: ١/ ٢٦٨ طبعة البلاغة قم).
و أمّا الطّبري فقال في تفسيره: عن ابن عبّاس في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ (آل عمران: ٦٢): إنّ الّذي قلنا في عيسى هو الحقّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ ... الآية. فلمّا فصل جلّ ثناؤه بين نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بين الوفد من نصارى نجران بالقضاء الفاصل، و الحكم العادل، و أمره إن هم تولّوا عمّا دعاهم إليه من الإقرار بوحدانيّة اللّه و أنّه لا ولد له، و لا صاحبة، و أنّ عيسى عبده و رسوله و أبوا إلّا الجدل، و الخصومة، أن يدعوهم إلى الملاعنة، ففعل ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلمّا فعل ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انخزلوا و امتنعوا من الملاعنة، و دعوا إلى المصالحة. كالّذي حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا جرير عن مغيرة عن عامر قال: فأمر بملاعنتهم بقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ... الآية، فتواعدوا أن يلاعنوه، و واعدوه الغد. فانطلقوا إلى السّيّد، و العاقب، و كانا أعقلهم، فتابعاهم فانطلقوا إلى رجل منهم عاقل. فذكروا له ما فارقوا عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: ما صنعتم؟ و ندّمهم و قال لهم: إن كان نبيّا ثمّ دعا عليكم لا يغضبه اللّه فيكم أبدا، و لئن كان ملكا فظهر عليكم لا يستبقيكم أبدا، قالوا:
فكيف لنا و قد واعدنا؟ فقال لهم: إذا غدوتم إليه فعرض عليكم الّذي فارقتموه عليه فقولوا: نعوذ باللّه، فإن دعاكم أيضا فقولوا له: نعوذ باللّه، و لعلّه أن يعفيكم من ذلك. فلما غدوا غدا النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) محتضنا حسنا آخذا بيد الحسين، و فاطمة تمشي خلفه. فدعاهم إلى الّذي فارقوه عليه بالأمس، فقالوا: نعوذ-