الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٤٩ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
و أخذ كلّ منا يقص قصة فبينا نحن كذلك إذ دخل الأعوان، فقالوا له: قم فقد أمر بقتلك، فأرتعنا، و دعونا، و هو ساكن الجأش طيب النّفس.
ثمّ قال: أنا حاصر مولى يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن عليّ رضى اللّه عنه، و قد قلت أبياتا أحبّ أن تسمعوها، و يفعل اللّه بقدرته ما سبق في علمه، و أنشأ يقول:
تعوّدت مسّ الضّر حتّى ألفته* * * و اسلمني حسن العزاء إلى الصّبر
و صيرني يأسي من النّاس راجيا* * * لطائف صنع اللّه من حيث لا أدري
و وسع صدري للأذى كثرة الأذى* * * و قد كنت أحيانا يضيق به صدري
إذا أنا لم أقبل من الدّهر كلّما* * * تكرهت منه طال عتبي على الدّهر
ثمّ نهض غير مرعوب، و لا مذعور، فلم نر أثبت جأشا منه، ثمّ لم نعرف له خبرا.
قال أبو العتاهية: ثمّ لقيته بعد سنين بالموقف فتعرفت إليه، فتذاكرنا ما كنّا فيه من السّجن، و قلت له: ما كان من شأنك؟ فقال: ادخلت على الرّشيد فأمر بقتلي فأجلست للقتل، و عصبت عيناي، فرأى شفتي يتحركان، فقال: بم تحرك شفتيك، لا أمّ لك، فقلت: بدعاء علمنيه مولاي يحيى رضى اللّه عنه، فقال: أجهر به، فقلت:
اللّهمّ يا من لا يردّ قضاؤه عن كلّ سلطان منيع، و لا يرفع بلاؤه عن كلّ ذي مجد رفيع، و يا كاشف الهمّ عن المأسور الضّعيف عند معضل الخطب، و يا رافع الغمّ عن المضطهد اللّهيف عند مقطع الكرب، أسألك بأجلّ الوسائل إليك، و اقرب الوصائل لديك، محمّد خاتم النّبيين، و أهل بيته أجمعين آل طه، و آل ياسين أن تجعل لي من أمري هذا فرجا، و أن تيسر لي من محنتي مخرجا، إنّك سميع الدّعاء، جزيل العطاء.
قال: فاغرورقت عينا الرّشيد بالدموع، ثمّ قال: حلّوا وثاقه، و ادفعوا إليه زادا،