ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٤١٢ - الباب السادس و التسعون الطيور و ما أوتيت من أعاجيب الإلهام في حضنها و رزقها و رفرفتها على فراخها و تدبير أمرها
يحيله كالماء الجاري. و في ذلك أعجوبتان: الغذي بما لا يغذو، و استقراؤه لشيء لو طبخ في قدر أبدا لما انحل.
و الذي سخر الحديد لجوف الظليم هو الذي سخر الصمّ الصلاب لأذناب الجراد، إذا أرادت الجرادة أن تلقي بيضها غمزت ذنبها في ضاحي الصخرة فانصدعت لها، و ليس ذلك من جهة القوة، و لكن من جهة التسخير. و عود الحلفاء [١] يتلقاه مع رخاوته و دقته في منابته الآجرّ و الخزف الغليظ فيثقبه. و هو الذي سخر القمقم و الطنجير و الطست لإبرة العقرب حتى نفذت فيها.
و هو كالبعير من جهة المنسم و الوظيف و الخزامة التي في أنفسه، و كالطائر من جهة الريش و الجناحين و الذنب و المنقار، ثم ما فيه من شكل الطائر جذبه إلى البيض، و ما فيه من شكل البعير لم يجذبه إلى الولادة.
٤٣-و يضربون المثل بالنعامة في التعلق بالعلل، إذا قيل لها احملي؟قالت: أنا طائر، و إذا قيل لها طيري، قالت: أنا بعير.
٤٤-قال يحيى بن نوفل:
و مثل نعامة تدعى بعيرا # تعاظمها إذا ما قيل طيري
و إن قيل احملي قالت فإني # من الطير المربّة بالوكور
٤٥-و من أعاجيب النعامة أنها مع عظم عظامها و شدّة عدوها لا مخّ فيها و من أعاجيبها أنها مع عظم بيضها تلزّه ثم تضعه طولا، حتى لو مددت عليه خيط المطمر مع وجدت لشيء منه خروجا عن الاستواء ثم تعطي كل واحدة نصيبها من الحضن، قال ذو الرمة:
ذاك أم خاضب بالسي مرتعه # أبو ثلاثين أمسى و هو منفرد
[١] الحلفاء: نبت أطرافه محدّدة كأنها سعف النخل و الخوص ينبت في مغايض المياه.
الواحدة حلفة و حلفاء.