ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣٧٤ - الباب الرابع و التسعون الوحوش من السباع و غيرها، و ذكر أحوالها، و ما يصطاد منها و يتألف، و ما أشبه ذلك
فاخروط بنا السير في حمّارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، و ذبلت الشفاه، و سالت المياه، و أذكت الجوزاء العزاء، و ذات الصيهد [١] ، و صر الجندب، و ضاف العصفور الضب في وجاره [٢] ، قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في صنوج هذا الوادي، فإذا واد قد بدا عن يميننا، كثير الدغل، دائم الغلل، أشجاره مغنة، و أطياره مرنة [٣] ، فحططنا رحالنا في أصول دوحات كنهيلات متهدلات، فأصبنا من فضلات المزاود و أتبعناها بالماء البارد. فإنّا لنصف حر يومنا و مصاولته و مطاولته إذ صر أقصى الخيل بأذنيه، و فحص الأرض بيديه، ثم ما لبث أن جال فال، و فعل فعله الذي يليه واحدا إثر واحد، فارتدّت الخيل و تقهقرت البغال، و تكعكعت [٤]
الإبل، فمن نافض لشكاله، و ناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا، و أنه السبع، ففزع [٥] كل منا إلى سيفه فاستله من جربانه، ثم وقفنا له رزدقا، فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب في هجار، لبلاعيمه غطيط، و لصدره نحيط، و لطرفه وميض، و لأرساغه نقيض، كأنه يحبط هشيما، أو يطأ صريما. و إذا هامة كالمجن، و خد كالمسن، و عينان سجروان [٦] ، كأنهما سراجان يتّقدان، و كتد مغبط، و زور مفرط و قصرة ربلة [٧] ، و لهزمة [٨]
رهلة، و عضد مفتول، و ساعد مجدول، و كف خشنة البراثن، إلى مخالب كأنها المحاجن [٩] . ثم كشر فأفرج، و زأر فأرهج، و نهم فبربر، و نحط
[١] الصيهد: شدّة الحرّ، و قيل: السراب، و قيل: الفلاة التي لا ينال ماؤها.
[٢] الوجار: بيت الضب. و الضب: حيوان من الزحافات شبيه بالحرذون ذنبه كثير العقد و الجمع أضب و ضباب و ضباب و مضبّة.
[٣] الأطيار المرنّة: المصوّتة.
[٤] تكعكعت الإبل: ضعفت و جبنت.
[٥] فزع إلى السيف: لجأ إليه و احتمى به.
[٦] العينان السجروان: اللتان تقدحان شررا. و سجر: أشعل. يقال: سجر التنّور.
[٧] الربلة: أصول الأفخاذ.
[٨] اللهزمة: عظم ناتئ في اللحي تحت الأذن، و هما لهزمتان و الجمع لهازم.
[٩] المحجن: العصا المنعطفة الرأس أو كل معطوف الرأس على الإطلاق. و محجن الطائر: منقاره و الجمع محاجن.