ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣٤٢ - الباب الحادي و التسعون اليأس، و القناعة، و الرضا بما رزق الله، و التوكل على الله، و التفويض إليه، و النزاهة عن المطمع
و لا يدرك بالطيش # و لا الجهل و لا الهذر
و لكن قسم تجري # بما ندري و لا ندري
٨٧-قيل لعلي عليه السّلام: لو سدّ على رجل باب بيت و ترك فيه من أين يأتيه رزقه؟قال: من حيث يأتيه أجله.
-و عنه عليه السّلام: و لقد كان في رسول اللّه كاف لك في الأسوة، و دليل على ذم الدنيا و كثرة مساوئها، إذ قبضت عنه أطرافها، و وطئت لغيره أكنافها.
و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه إذ يقول: إني لما أنزلت إليّ من خير فقير. و اللّه ما سأله إلا خبزا يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض. و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله و تشذب لحمه.
و إن شئت ثلّثت بداود صاحب المزامير و قارئ أهل الجنة، فقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، و يقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها؟و يأكل قرص الشعير من ثمنها.
و إن شئت قلت في عيسى بن مريم، فلقد كان يتوسد الحجر، و يلبس الخشن، و كان إدامه الجوع، و سراجه بالليل القمر، و فاكهته و ريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. و لم تكن له زوج تفتنه، و لا ولد يحزنه، و لا مال يلفته، و لا طمع يذله، دابته رجلاه، و خادمه يداه.
فتأسّ بنبيك، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، و علم أن اللّه أبغض شيئا فأبغضه، و صغر شيئا فصغره. و لو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض اللّه، و تعظيمنا ما صغر اللّه لكفى به شقاقا للّه و محادة عن أمره.
و لقد كان صلّى اللّه عليه و سلّم يأكل على الأرض، و يجلس جلسة العبد، و يخصف بيده نعله، و يرقع بيده ثوبه، و يركب الحمار العري، و يردف خلفه.
و يكون الستر على باب بيته فيه التصاوير، فيقول: يا فلانة غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا و زخارفها. فأعرض عن الدنيا بقلبه،