الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - اللّه أعلم حيث يجعل رسالته
مزاعمهم المضحكة الباطلة، فتقول: وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ كأنّ الوصول إلى مقام النبوة و هداية الناس يعتمد على سن الشخص و ماله، أو هو ميدان للمنافسة الصبيانية بين القبائل! و كأنّ على اللّه أن يراعي هذه الأمور المضحكة الباطلة التي لا تدل إلّا على منتهى الانحطاط الفكري و عدم إدراك معنى النبوة و قيادة الخليقة! إنّ القرآن يرد على هؤلاء بوضوح قائلا: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
بديهي أنّ الرسالة لا علاقة لها بالسن و لا بالمال و لا بمراكز القبائل، لأنّ شرطها الأوّل هو الاستعداد الروحي، و طهارة الضمير، و السجايا الإنسانية الأصيلة، و الفكر السامي، و الرأي السديد ثمّ التقوى إلى درجة العصمة ... إنّ هذه الصفات، و خصوصا الاستعداد لمقام العصمة لا يعلم بها غير اللّه، فما أبعد الفرق بين هذه الشروط و ما كان يدور بخلد أولئك.
كما إنّ من يخلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا بدّ أن تكون له جميع تلك الصفات عدا الوحي و التشريع، أي أنّه حامي الشرع و الشريعة، و الحارس على قوانين الإسلام، و القائد المادي و المعنوي للناس، لذلك لا بدّ له أن يكون معصوما عن الخطأ و الإثم، لكي يكون قادرا على أن يوصل الرسالة إلى أهدافها، و أن يكون قائدا مطاعا و قدوة يعتمد عليها.
و بناء على ذلك، يكون إختياره من اللّه أيضا، فهو وحده الذي يعلم أن يضع هذا المقام، فلا يمكن أن يترك ذلك للناس و لا للانتخابات و الشورى.
و في النهاية تشير الآية إلى المصير الذي ينتظر أمثال هؤلاء المجرمين و الزّعماء الذين يدعون الباطل، فتقول: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ [١].
[١]- «الإجرام» من «جرم» و أصله القطع، و المجرم هو الذي يقطع العهود و ارتباطه باللّه بعدم إطاعته، و لذلك أطلقت كلمة