الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٣ - براءة المسيح من شرك أتباعه
قد جرى بعد عهد نبوة المسيح عليه السّلام، و الفعل «قال» الماضي لا يتعارض مع ما ذهبنا إليه، لأنّ القرآن مليء بذكر أمور عن يوم القيامة استعمل فيها الزمن الماضي، و هو إشارة إلى أنّ وقوعه حتمي، أي أنّ مجيئه فى المستقبل على درجة من الثبوت و الحتمية بحيث أنّه يبدو و كأنّه قد وقع فعلا، فيستعمل له صيغة الماضي.
على كل حال تقول الآية الاولى: وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
لا ريب أنّ المسيح عليه السّلام لم يقل شيئا كهذا، بل دعا إلى التوحيد و عبادة اللّه، أنّ القصد من هذا الاستفهام هو استنطاقه أمام أمّته و بيان إدانتها.
فيجيب المسيح عليه السّلام بكل احترام ببضع جمل على هذا السؤال:
١- أوّلا ينزّه اللّه عن كل شرك و شبهة: قالَ سُبْحانَكَ.
٢- ثمّ يقول: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ أي ما لا يحق لي قوله و لا يليق بي أن أقوله.
فهو في الحقيقة لا ينفي هذا القول عن نفسه فحسب، بل ينفي أن يكون له حق في قول مثل هذا القول الذي لا ينسجم مع مقامه و مركزه.
٣- ثمّ يستند إلى علم اللّه الذي لا تحده حدود تأكيدا لبراءته فيقول: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [١].
٤- ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ، لا أكثر من ذلك.
٥- وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٢].
[١]- إطلاق كلمة «نفس» على اللّه لا يعني الروح، فمن معاني النفس الذات.
[٢]- في معنى «توفى» و كونها لا تعني موت المسيح عليه السّلام أنظر ذيل الآية (٥٥) من سورة آل عمران في المجلد الثّاني.