الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨١ - التّفسير
على أممهم، بينما نجدهم في هذه الآية ينكرون كل علم و يوكلون كل شيء إلى اللّه.
و لكن ليس في هذا اختلاف و لا تضاد، بل هو يحكي عن مرحلتين، في المرحلة الاولى و هي التي تشير إليها الآية التي نحن بصددها، يظهر الأنبياء الأدب بإزاء سؤال اللّه، فينفون العلم عن أنفسهم، و يوكلون كل شيء إلى علم اللّه، و لكنّهم في المراحل التّالية يبيّنون ما يعرفونه عن أممهم و يشهدون، و هذا يكاد يشبه المعلم الذي يطلب من تلميذه أن يجيب على سؤال فيظهر التلميذ التأدب أوّل الأمر و يقول: أن علمه لا شيء بالنسبة لعلم المعلم، ثمّ بعد ذلك يدلي بما يعرف.
و السؤال الآخر: كيف ينفي الأنبياء العلم عن أنفسهم مع أنّهم إضافة إلى العلوم العادية يعلمون الكثير من الحقائق الخفية التي علمها اللّه لهم.
رغم أنّ للمفسّرين كلاما كثيرا في جواب هذا السؤال، نرى أنّ الموضوع واضح و هو أنّ الأنبياء يرون علمهم لا شيء بالنسبة لعلم اللّه، و الحقّ كذلك، فوجودنا لا شيء بالنسبة لوجود اللّه الأبدي و علمنا لا وزن له بإزاء علم اللّه، فمهما يكن «الممكن» فإنّه لا يكون شيئا بإزاء «الواجب»، و بعبارة أخرى: إنّ علم الأنبياء، و إن كان في حد ذاته غزيرا، لكنه لا شيء بالقياس إلى علم اللّه.
في الحقيقة، العالم الحقيقي هو الذي يكون حاضرا و ناظرا في كل مكان و زمان، و عارفا بتركيب كل ذرة من ذرات العالم، و بكل أجزاء هذا العالم المترابط في وحدة واحدة، و هذه صفة تختص باللّه سبحانه.
يتّضح ممّا قلنا أنّ هذه الآية ليست دليلا على نفي كل علم بالغيب عن الأنبياء و الأئمّة كما زعم بعضهم، و ذلك لأن «علم الغيب» بالذات يختص بمن يكون حاضرا في كل مكان و زمان، و أمّا غيره تعالى فإنّه لا علم له بالغيب سوى ما يعلمه اللّه.
و هذا مأخوذ من آيات عديدة في القرآن، منها الآية (٢٦) من سورة الجن: